الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير ناحية الرحالية .. واحةٌ غنّاء يشكو سكانها الظمأ


“أن تموت نتيجة وباء فيروس كورونا فهذا قضاء الله وقدره، لكن أن تموت ببطء متسمماً نتيجة صدأ خزانات المياه المتنقلة أو المياه الكبريتية المالحة ونحن في القرن الحادي والعشرين فهذه مصيبة كبيرة” بهذهِ الكلمات بدأ السيد “أبو محمد العبيدي” حديثه لوكالة “يقين”، وأضاف أن ناحية الرحالية تابعة إدارياً لقضاء الرمادي، وتبعد نحو ١٠٠ كلم عن مركز محافظة الأنبار، وقال العبيدي:” كانت هذه المنطقة واحة خضراء وسط الصحراء، وكانت تعتمد على مياه الينابيع والعيون الطبيعية ذات المياه العذبة في سقي البساتين وري المزروعات ومياه الشرب للسكان والمواشي، كما كانت محط أنظار الجميع لطبيعتها الخلابة، أما اليوم فإن الينابيع وعيون المياه جفت بسبب عدم إدامتها وإنخفاض مستوى منسوب المياه الجوفية، وأصبحت الأراضي قاحلة وتهالكت الأشجار وبساتين النخيل.

وطالب العبيدي الحكومة بسرعة إيجاد الحلول لسكان الناحية وتلافي وقوع كوارث صحية تطال المواطنين، مؤكداً أن الحكومة المحلية وعدت بتوفير المياه عبر مضخات كبيرة خلال موازنة هذا العام إلا أن شيئاً لم يتغير لغاية الآن.

الرحالية ” الواحة الغناء”

تقع ناحية الرحالية في محافظة الأنبار وفي الجهة الغربية من بحيرة الرزاز، ويعتمد النشاط الاقتصادي لأهل المدينة على الزراعة، والصيد، وتربية المواشي كمصدر دخل أساسي، وتسكن المدينة مجموعة من العشائر، ومن أهمها وأشهرها آل شاهر، والبيكات، وعشيرة الحروب، وآل شديد العباسيين، وآلبو جادر والحِجّاج والعبيد والبوعلوان وغيرها من العشائر العربية.

وتمتاز الناحية بوفرة النخيل، وتنوع التمور التي تنتج فيها، ويعود ذلك إلى وجودها ضمن واحة من النخيل، وأصبحت هذه المدينة هي المصدر الرئيسي للتمور، كما تشتهر مدينة الرحالية بوجود عدد كبير من عيون الماء فيها، ومن أشهرها عين الزرقاء التي كانت تسقي أكثر من ثلثي النخيل الموجود فيها، إضافةً إلى مجموعة أخرى من العيون، مثل: عين جفة، وعين البخيتي.

“يعتبر موسم جني التمور وكبسها في ناحية الرحالية من أروع اللوحات الفنية التي رسمها واطرها أهلنا واجدادنا بفطرتهم البسيطة في هذه الناحية” هكذا يقول السيد “أبو وليد” ٧٤ عاماً، وهو من سكان ناحية الرحالية، مضيفاً: “ما أن تنضج التمور في منتصف شهر أيلول/سبتمبر من كل عام حتى ترى اهلنا في ناحية الرحالية كانوا قد أعدوا عدتهم، وشدوا مأزرهم وشمروا عن سواعدهم ليهيئوا أماكن الإستراحة في البساتين لان كل يومهم سيكون في في العمل على جني التمر، ومنهم من كان ينام في بستانه لأيام متعددة، وكيف لا وهو موسم جني تعبهم وسهرهم ومتابعتهم لثمره الذي يبيعونه لكي يسددوا ما عليهم من ديون موسمية اخذوها من دكاكين الناحية مقابل الشاي والسكر والسمن والقماش وغيرها من احتياجات بيوتنا انذاك“.

وتابع أبو وليد: “تخرج العائلات جميعها معلنة على بركة الله بدء موسم جني التمور، فطورها وغدائها واحيانا حتى عشائها في بساتينها، ومع استمرار الجني وقص التمر يأتي عددٌ من البدو الرحل والمتعففين للتجوال في بساتين الرحالية لغرض مساعدة السكان ليقوم صاحب كل بستان بإعطائهم ماتجود به الأيادي”، وختم حديثه قائلاً: “هكذا كان موسم جني التمور في ناحية الرحالية موسماً جميلاً ورائعا، وعندما نتخيله اليوم ونعيش ذكرياته وتفاصيله نعتصر ألماً لماضينا الجميل وحاضرناً المؤلم”.

أن الآبار التي يتم استخدامها تكون اما مالحة أو كبريتية، وخزانات نقل المياه متهالكة وتحتوي على الصدأ، ونتيجة ذلك وعدم وجود البدائل أصيب سكان الناحية بعدد من الأمراض

العطش

كانت ناحية الرحالية تعتمد على العيون في سقي البساتين وهناك مواد تحلية تقليدية توضع في الماء عند توزيعه على المواطنين عن طريق الخزانات المتنقلة (التناكر) لكن قبل قرابة الأربع سنوات بدأت عين الزرقاء ينشف مائها شيئا فشيئا حتى اصبحت كما ترون بركة لا تصلح لرعي المواشي، ويقول السيد “أبو عبدالله” وهو أحد سكان الناحية في حديثه لوكالة “يقين”: “قابلنا محافظ الأنبار قبل أزمة كورونا وطلبنا منه إدراج مشروع الماء ضمن الموازنة وكان رد المحافظ إن هذا المشروع يكلف كثيراً من الأموال والمحافظة لا تملك قيمة هذا المشروع، وتم حفر خمسة آبار تصب في عين الزرقاء الا ان هذه الآبار سرعان ما فشلت لأن مياهها كبريتية ومالحة، وهذا نتيجة سوء التخطيط”، وأضاف: “الآن ماء الشرب يوزع بواسطة خزانات المياه المتنقلة (التناكر) وهو غير صالح للشرب يحتوي على كميات من الصدأ، والبساتين تشكو العطش، فقد كانت في الناحية أكثر ١٥٠ ألف نخلة جميعها منتجة أما الآن فالعدد أقل من ذلك بكثير”.

أما الكهرباء فهي مشكلة العراق الكبرى لكن بالنسبة للناحية فإن كهربائها يتم تجهيزها من منطقة “عين التمر” وتكاد تكون معدومة بسبب ضعفها وردائة شبكة التوصيل الكهربائي، ولا تشغل أيا من اجهزة البيت إلا بواسطة جهاز رافع للفولتية يتم شرائه من السوق بأسعار باهضة”. مطالباً بسرعة إيجاد الحلول لأن السكان تعرضوا للتسمم والأطفال أوضاعهم خطرة للغاية بسبب عدم صلاحية المياه للاستهلاك والاستخدام البشري وغير صالحة للشرب، مع غياب الخدمات الأساسية الاخرى التي يحتاج إليها أي مواطن.

وفي ذات السياق أكد الصحفي والناشط “بدر العلواني” وهو من أبناء ناحية الرحالية إعتماد سكان ناحية الرحالية على مياه الآبار، وأشار أن توزيع المياه على الأهالي يتم بعد وضعها في خزانات المياه المتنقلة (التناكر) وإضافة مادة التحلية عليها، إلا أن الآبار التي يتم استخدامها تكون اما مالحة أو كبريتية، وخزانات نقل المياه متهالكة وتحتوي على الصدأ، ونتيجة ذلك وعدم وجود البدائل أصيب سكان الناحية بعدد من الأمراض منها أمراض الكلى والتسمم لكون هذه المياه ملوثة.

هنالك مجموعة من الأضرار التي سُجلت بعد شرب المياه الكبريتية في مقدمتها التسمم والإسهال الشديد وتليين المعدة وجفاف الجسم

التسمم بالكبريت

بينت دراسات عديدة أثر شرب المياه الكبريتية على جسم الإنسان، وتبين أن هنالك مجموعة من الأضرار التي سُجلت بعد شرب المياه الكبريتية في مقدمتها التسمم والإسهال الشديد وتليين المعدة وجفاف الجسم، وفي تصريح خاصة لوكالة “يقين” قال مدير دائرة الصحة العامة في مديرية صحة الأنبار “محمد صباح”، إن ما تشهده ناحية الرحالية من شحة المياه وعدم وجود مياه معقمة أثر صحيا على سكان الناحية، كما أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على الخدمات وطريقة التعامل مع المشاكل الصحية الأخرى، مضيفاً: “فاقمت مشكلة كورونا الأوضاع في بعض المناطق ومن ضمنها ناحية الرحالية بسبب وضعها الخاص وطبيعتها الجغرافية، إذن من الممكن أن تصيبها أضرار صحية أخرى، إلا أن المسؤولية هناك تقع على عاتق الإدارة المحلية في الناحية، من خلال تواصلها مع مركز المحافظة ونقل الأوضاع بدقة عالية وفق دراسة دقيقية لحل هذه المشاكل”، وأضاف: أن الامراض الناتجة عن المياه الكبريتية الغير صالحة للاستهلاك البشري معروفة من ضمنها موضوع الاسهال والكوليرا والتسمم فضلاً عن الأمراض الجلدية، وعن طبيعة عمل الفرق الطبية أوضح صباح: “هنالك فرق طبية خاصة تعمل على إجراء المسحات والفحوصات السريعة التي تجري عن طريق أجهزة الفحص السريع الخاصة بفيروس كورونا“.

ويقول السيد “أحمد” وهو من أبناء الناحية في حديثه لمراسل وكالة “يقين” إن مياه الشرب التي يعتمد عليها سكان الناحية هي المتدفقة من الينابيع الطبيعية، اما المياه التي تستخدم للغسل والأستخدامات العامة سببت الكثير من الأمراض الجلدية والمغص المعوي والإسهال، وأضاف: “الرحالية اليوم بحاجة ماسة إلى كوادر طبية ومركز طبي شامل يقدم جميع الخدمات الطبية، لأن السكان يضطرون لقطع عشرات الكيلومترات من اجل الوصول إلى المستشفيات الحكومية بحثاً عن الخدمات الطبية المفقودة في الناحية”.

لا ميزانية لإصلاح الوضع

كانت مياه النبع في الرحالية نقية لكن مع مرور الوقت أصبحت بركة غير صالحة للإستهلاك البشري، والخدمات في ناحية الرحالية معدومة تماما، ولا يوجد في الناحية سوى الشارع الرئيس للمنطقة عدا ذلك فإن الحكومة المحلية بمحافظة الانبار تتجاهل مناشدات اهالي الرحالية، وجاءت لجنة من المحافظة إلا أن الوعود لغاية الآن لم تنفذ بحسب شهادات السكان.

أما الحكومة المحلية فكان لها رأي آخر، حيث قال معاون محافظ الأنبار للشؤون الإدارية “مصطفى العرسان” في تصريحٍ خاص لوكالة “يقين”: “كانت ناحية الرحالية تعتمد على مياه الينابيع والعيون التي تغذي السكان من ناحية مياه الشرب ومن ناحية سقي البساتين والمزارع، وبين فترة وأخرى بدأت مياه هذه الينابيع تتناقص كونها مياه جوفية تحت الأرض، مما تسبب بقلة تدفع المياه إلى العيون، ونتيجة ذلك اتخذت الحكومة المحلية إجراءات سريعة لتزويد الناحية ببعض الملحقات للسيطرة على الموضوع بطريقة نهائية، وهذا ما تم خلال تنظيف بعض الملحقات وتوفير بعض المتطلبات التي تمكن الناحية من السيطرة على مياه الشرب وكذلك بالنسبة لسقي البساتين والمزارع عبر الآبار الارتوازية الموجودة“.

وأضاف العرسان: “هناك خطة مستقبلية في توصيل المياه خلال الفترة المقبلة بالإعتماد على صرف موازنة المحافظة التي لم يتم اعتمادها لغاية الآن، وهناك اهتمام بالمناطق النائية التي تكون بعيدة عن مركز المحافظة من خلال الخطط التي وضعت على اعتبار مناطق وسط الصحراء تحتاج إلى واحات زراعية، ونحن كحكومة محلية سنقوم بحل جميع الإشكالات التي يعانون منها خلال الأيام المقبلة” على حد قوله.

أن تلكؤ مشاريع الإسالة في الناحية وعدم وجود السيولة المالية تسبب بانقطاع المياه عن سكانها، ومن أهم أسباب مشاكل المياه في الناحية هو انقطاع التيار الكهربائي الذي تسبب بعدم ضخ المياه للسكان

عضو مجلس محافظة الأنبار السابق “مزهر الملا خضر” نفى في حديثه لوكالة “يقين” وجود شحة مياه إنما وجود مياه غير صالحة للإستهلاك البشري قائلا: “لا يوجد في الناحية شحة للمياه، انما الرحالية مائها يحتوي على الكبريت والملوحة وهذه المشكلة نتيجة التراكمات الخدمية السابقة في الناحية، والمحافظ اشرف على تقديم مخططات من أجل توفير ماء صالح للشرب لجميع المواطنين، لكن الأزمة جائحة كورونا أوقفت هذه المشاريع التي كان يفترض أن يبدأ العمل بها مطلع العام المقبل.

وأضاف الملا خضر، “في الوقت الحاضر توزع على المنازل أجهزة تحلية بالإضافة للماء الصالح للشرب فضلا عن ماء مخصص للأغراض الثانوية والاستخدامات المنزلية إلا أنه غير صالح للشرب، ونواجه حاليا مشكلة في وقت إيصال الماء للسكان بسبب عدم توفر الكهرباء التي تعتبر من الازمات الكبرى.وأوضح أن الحكومة المحلية تعمل في حل هذه المشكلة، زكان يفترض أن يُمد خط ناقل للمياه من مدينة الرمادي الى الناحية، إلا ان الحكومة المحلية ننتظر التخصيصات المالية التي يجب أن تطلقها وزارة المالية والتي توقفت بسبب الأزمة التي يمر بها البلد، كون هذه المشروع يحتاج الى مبالغ كبيرة” على حد قوله.

مدير ناحية الرحالية بمحافظة الأنبار،مصطفى الريشاوي، في حديث خاص لـ”وكالة يقين” أن تلكؤ مشاريع الإسالة في الناحية وعدم وجود السيولة المالية تسبب بانقطاع المياه عن سكانها، ومن أهم أسباب مشاكل المياه في الناحية هو انقطاع التيار الكهربائي الذي تسبب بعدم ضخ المياه للسكان من جهة، ومن جهة أخرى انخفاض منسوب المياه الجوفية المغذية للعيون الكبريتية التي تغذي الناحية.

وأضاف أن الحلول الواجب اتباعها هي إما مد أنبوب مشروع ماء المسيب الذي يُغذي منطقة عين التمر التابعة لمحافظة كربلاء، او من خلال خط انابيب من مدينة الرمادي إلى الناحية، ومسافة هذا الأنبوب عن أقرب نقطة بإتجاه الرحالية هو ٦٠ كلم، ويعد هذا المشروع مكلف جداً في ظل الظروف المادية التي تعاني منها محافظة الانبار في الوقت الراهن.

مقالات متعلقة