الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مَن قصّ شريط سباق التطبيع في الخليج العربي؟


مثنى عبد الله

اليوم هو الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول، حيث من المقرر أن يستضيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كلا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض المسؤولين العرب، في مراسم توقيع اتفاق السلام المزعوم، بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. قد يبدو الأمر وكأنه حقيقة واقعة، لكنه ليس كذلك، إنه أشبه بسجادة من الأكاذيب تحاول الأطراف الموقعة على الاتفاق وضعها على القضية الفلسطينية، كجغرافيا وتاريخ وشعب ودماء ونضال كي تزول، لكنهم أغبياء لأن الحقيقة لن تزول، لأنها بقعة ثابتة.

الأسئلة المُستحق طرحها في هذه اللحظة القاتمة هو، أيُعقل أن تتحرك أبو ظبي والمنامة لتطبيع علاقاتهما مع إسرائيل إلى مديات طبيعية في كل المجالات، من دون ضوء أخضر من الشقيقة الكبرى؟ هل يمكن التصديق بأن الشقيقتين الصغريين قد خرجتا عن طوع الرياض بأمر الفاعل الأمريكي؟ صحيح أن البحرين قاعدة أمريكية، وتستضيف الأسطول الخامس، لكن السعودية هي التي تدعم اقتصادها بمليارات الدولارات، وهي التي أرسلت قواتها لتعزيز الحكم فيها في عام 2011، وبالتالي ارتبطت السياسات البحرينية بالسياسات السعودية إلى الحد الذي باتت فيه مجرد صدى لها. وكذلك الإمارات التي هي الحليف الاستراتيجي للرياض في فعاليات عسكرية وسياسية في المنطقة، وتكاد تكون هنالك توأمة بين وليي عهد البلدين في كل شيء.

إذن هل يمكن أن تكون الضغوط الأمريكية للتطبيع المباشر بين الرياض وتل أبيب، قد دفعت المملكة لتقديم شقيقتيها للتطبيع، كبادرة حسن نية لحين أن تتهيأ اللحظة المناسبة لها؟ إن التوجه الإماراتي لقيام علاقات طبيعية مع إسرائيل، وبعده التوجه البحريني للقيام بالفعل نفسه، يدل دلالة واضحة على أن الخطوتين تمت بمباركة المملكة، اعتمادا على التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي بين هذه الأطراف الثلاثة، بل إن سياق كل التحركات السياسية البحرينية على وجه الخصوص، لن تحدث إلا بموافقة صانع القرار السعودي وفي كل المجالات، حيث أن قرب الدولتين جغرافيا، يجعل انفتاحها على إسرائيل أكثر خطورة على أمن المملكة، ما يعني أنه لو كانت الاخيرة غير موافقة على التطبيع لما تجرأت البحرين على القيام بذلك، ثم إن كل مراقب يستطيع تلمّس الموافقة السعودية على هذه الخطوات، من خلال امتناعها عن التعليق على الموضوع أولا. وثانيا، ترحيبهم بالاتفاق عمليا، من خلال فتح الأجواء السعودية أمام حركة الطيران الإسرائيلي المتجه إلى الإمارات. ثالثا، السماح لوسائل الإعلام الرسمية بالترحيب بالاتفاق، واعتباره إنجازا مهما. رابعا، الإيعاز إلى الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام، بتغليف الاتفاق بغلاف ديني وتسويقه للجمهور بلباس التقوى، في خطبة الجمعة في الرابع من سبتمبر الجاري.

لا يُعقل أن تتحرك أبو ظبي والمنامة لتطبيع علاقاتهما مع إسرائيل إلى مديات طبيعية في كل المجالات، من دون ضوء أخضر من الشقيقة الكبرى

إن التعليق السعودي الرسمي على الخطوة الإماراتية بالقول، إنها ترفض السير في الاتجاه نفسه، وإن شرطها لذلك هو توقيع إسرائيل اتفاق سلام معترف به دوليا مع الفلسطينيين، إنما مرده الخشية من ردة فعل الرأي العام الداخلي والعربي والإسلامي، الذي ستكون كُلفّه السياسية والأمنية كبيرة جدا عليها، حيث إن القوة الناعمة التي تملكها اليوم متأتية من مكانتها الدينية الإسلامية، كما أن العائلة الحاكمة ليست على قلب رجل واحد، بل توجد تيارات وخلافات في الرأي، وعدم وجود حسم في ملفات سياسية كثيرة، فهنالك تيار يعتقد أن الوقت قد حان لتغيير السياسة السعودية التقليدية تجاه موضوع العلاقة مع الكيان الصهيوني. وفي هذا الصدد نجد أن ولي العهد قال في مقابلة نشرتها مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية في الثاني من أبريل/ نيسان 2018، أنه يؤيد إقامة اليهود وطنا على أرضهم. وهذا التصريح ينسف الرواية العربية التي تقول إن إسرائيل اغتصبت الأراضي العربية وأقامت عليها دولتها. وهناك تيار آخر يسعى للإبقاء على الريادة في موضوع المبادرة العربية للسلام، التي هي مبادرة سعودية خالصة، وبالتالي يُجادل هذا التيار بأن الخروج على المبادرة يُعتبر كمن يطلق النار على قدميه. كما أنه يرى أن دولا إسلامية في المحيط، وخارج المحيط تسعى لسحب الشرعية الدينية عنها، وسيتهمونها بأنها فقدت الأهلية في ذلك، لانها أقامت تطبيعا مع من يغتصب القدس الشريف.

كل هذه الحسابات وفّرت بديلا آخر للسعودية بأن تسمح للاخرين، وربما تشجعهم، للذهاب باتجاه التطبيع، لتخفيف الضغوط الأمريكية عليها، حيث أنها تخشى كثيرا فك الارتباط الامريكي عن المنطقة، وقد جربت ذلك الارتباك السياسي الكبير الذي أصابها في زمن أوباما، حين وضع إيران في قمة سلم أولوياته، وتهيأ للخروج من المنطقة بعد الاتفاق النووي، لذلك هي اليوم تستبق تكرار الحالة نفسها بدفع الآخرين من البيت الخليجي لتوثيق علاقاتهم مع إسرائيل، كضمانة مستقبلية لعلاقات مستدامة مع البيت الأبيض، من خلال النفوذ الإسرائيلي في واشنطن. وهنا الطامة الكبرى، لأن الاستراتيجية السعودية ستكون معتمدة على عوامل نجاح ليست بيدها، بل بيد الآخرين.

إن كل ما يحدث اليوم من تطبيع ليس فيه مفاجأة إطلاقا.. إنه إخراج السياسة السرية الموازية، التي كانت بين إسرائيل والدول العربية للعلن، التي كان الكثير منها ظاهرا للعيان، ومثلتها زيارات وزراء ومسؤولين إسرائيليين ونشاطات ومؤتمرات وغيرها من الفعاليات في دول عربية خليجية. وهذا جعل الأمر وكأنه استراتيجية عربية جديدة، قوامها تسريع التطبيع، من دون مقابل سوف يُسلّط ضغطا كبيرا على الفلسطينيين وبقية العرب، لإجبارهم على الرضوخ لما يسمونه أمرا واقعا. ومع ذلك فإن المسألة ليست كأنها نظرية قطيع يتبع الراعي أينما ذهب، فلا أحد يستطيع الجزم بأن اتفاقات التطبيع بين الدول الخليجية، أو بقية الدول العربية ستكون سهلة ومرنة، وقادرة على إلغاء كل حصيلة الصراع الطويل الذي مرّ. كما أن معيار النجاح لهذه الخطوات باتجاه إسرائيل، مرتبط بالموقف الفلسطيني، ومرتبط بالتعامل مع جوهر هذه القضية، ومرتبط بطبيعة المبادرة التي كانت في الأساس، أنه لا تطبيع مع إسرائيل ما لم تحصل إقامة دولة فلسطينية وانسحاب إسرائيل من الاراضي المحتلة في عام 1967 بما فيها القدس والضفة والجولان.

يقينا أن كل عربي من المحيط إلى الخليج سوف يكون سعيدا لو كانت المملكة قد استثمرت كل إمكاناتها السياسية والاقتصادية والروحية في صنع فيتو لنفسها على كل تحرك عربي أو إسلامي أو دولي يهدف للنيل من قضية فلسطين. وأن تكون ظهيرا ونصيرا فاعلا وقويا لكل فلسطيني يقاوم المحتل، كي لا تدفع بهم إلى أن يقبلوا أطرافا أقليمية أن تكون حواضن لهم. وأن تنزل القضية الفلسطينية من البورصات السياسية للقوى الإقليمية والدولية التي تستثمر فيها لتحقيق مشاريعها في المنطقة. ففي ثمانينيات القرن المنصرم توافقت مع العراق على إصدار بيان من بضعة أسطر، أعلنوا فيه مقاطعتهم الاقتصادية لكل دولة ترضخ لقرار سلطات الاحتلال وتنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وفشل الكيان الصهيوني فشلا ذريعا في تحقيق ذلك، حيث لم تجرؤ أي دولة على القيام بذلك.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

مقالات متعلقة