الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية من يمتلك قرار الحرب والسلام في العراق؟


بواسطة مركز راسام -

شاهو القره داغي

حسب تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ، فإن الدولة عبارة عن “الجماعة البشرية التي تحتكر بنجاح الاستخدام الشرعي للقوة ” بمعنى أن الدولة تحتكر العنف المشروع في سبيل تحقيق مصالح الفئات الاجتماعية و منع الفوضى و الاضطرابات و إدارة المجتمع بشكل سليم.

وكلما كانت الدولة قادرة على احتكار العنف المشروع و عدم السماح لأطراف أخرى بحمل السلاح و منازعة الدولة ، كلما كانت الدولة أقوى على المستوى الداخلي و الخارجي، حيث يشعر المواطن بالأمان و الاستقرار عندما يُدرك أنه يعيش تحت غطاء دولة قوية توفر الحماية للجميع. وعلى الصعيد الدولي يتم التعامل مع هكذا دول باحترام لأنها قادرة على اتخاذ القرارات بصورة مباشرة دون أي ضغوطات أو تأثيرات قد تصدر عن جهات فاعلة تحمل السلاح و تمارس مهام الدولة وتتحول إلى دولة داخل الدولة بصورة تدريجية.

في العراق الجديد الذي تأسس بعد عام 2003 ، لم تعد الدولة الطرف الوحيد الذي يحتكر العنف و القوة و يمارس مهام و واجبات الدولة ، بل تعددت مراكز القوة و الأطراف و الميليشيات التي تحمل السلاح وتستخدم العنف الغير مشروع لتحقيق أهدافها و تتعامل كدولة قائمة بذاتها داخل الدولة الحالية .

جميع الحكومات السابقة رفعت شعار استرداد هيبة الدولة و التعامل بحزم مع الأطراف الأخرى التي تحمل السلاح وتمارس العنف، ولكن على أرض الواقع زادت عدد الميليشيات والفصائل المسلحة و ارتفعت تكاليف تسليحها و باتت أقوى مقارنة بالسابق، و أصبح المواطن يشعر بغياب تام للدولة و المؤسسات الرسمية بسبب الفوضى الموجودة و تعدد الأطراف التي تمتلك السلاح في الساحة العراقية .

بعد الخروقات الأمنية المتكررة في الأسابيع الماضية و استمرار عمليات اطلاق الصواريخ على البعثات الدبلوماسية و تهديد السفارات الأجنبية و عمليات الخطف و الاغتيالات ، صرح رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي في بداية أكتوبر الحالي بأن ” الدولة العراقية فقط تمتلك قرار الحرب و السلام و أن الخروقات الأمنية في العراق تجاوزت الحدود “.

بعد تصريحات الكاظمي الذي أكد فيها أن الدولة العراقية هي التي تمتلك قرار الحرب والسلم فقط، أعلنت عدة ميليشيات موالية لإيران في العراق عن هدنة و الامتناع عن استهداف مصالح الولايات المتحدة الامريكية في العراق بما في ذلك السفارة الامريكية، بشرط انسحاب القوات الامريكية ضمن إطار زمني مقبول وإلا سوف تستأنف الميليشيات المسلحة نشاطها العسكري بكل الإمكانيات المتاحة “.

موقف الميليشيات من إعلان الحروب و إدخال العراق في دوامة الفوضى و الدخول في الهدنة أو التصعيد مؤشر واضح على اختلال المعادلة في العراق و غياب صانع القرار الحقيقي الذي يحتكر القرارات المصيرية التي تمس مصالح الدولة و المواطنين على المدى البعيد .

تحولت الميليشيات الموالية لإيران إلى صداع حقيقي و عائق رئيسي أمام نهوض العراق و تحقيق التطور و التقدم السياسي و الاقتصادي. وبدلا من إعلان الدولة العراقية عن حملة لنزع سلاح الميليشيات وملاحقة القادة المتورطين بارتكاب العديد من الجرائم، فإن الدولة تحاول الدخول في مفاوضات وتفاهمات مع الميليشيات وتتوسل إلى قادتها لإيقاف نشاطاتها الإرهابية أو تعليقها على الأقل في الوقت الحالي.

لا فائدة للسلطات الثلاث التي تُصرف عليها مليارات الدولارات من ميزانية الدولة في ظل وجود جماعات و ميليشيات وفصائل خارج إطار الدولة تمتلك القرارات الاستراتيجية و المصيرية مثل الدخول في الحرب و السلم و تلعب بمصير العراق و تتعامل مع الدولة العراقية كقرية تابعة لها و ممر لنفوذها .

حسب الاعتراف الحكومي و تصريحات قادة الفصائل والمجاميع المسلحة والميليشيات فإن هذه المجاميع جزء من المنظومة الأمنية و العسكرية للدولة العراقية و تخضع لقرارات و أوامر و توجيهات القائد العام للقوات المسلحة و تأخذ الرواتب والأسلحة من الدولة العراقية. ولكن بخلاف القرارات و البيانات الرسمية فإن الفصائل والميليشيات و وكلاء إيران في العراق تتبنى سياسة مستقلة في التعامل مع الملفات الداخلية و الخارجية دون الخضوع للحكومة العراقية أو مراعاة لمصالح العراق و العراقيين. و تجسدت هذه السياسات في طريقة تعامل هذه المجاميع مع ملف بقاء القوات الامريكية في العراق باعتباره من الملفات الحساسة التي يتطلب توحيداً في الموقف العراقي لضمان تحقيق مصالح العراق و بناء علاقات معتدلة و متوازنة مع دول العالم لكسر العزلة التي يعاني منها العراق بسبب السياسات الخاطئة و تعدد مراكز صنع القرار.

لا يمكن لحكومة الكاظمي أو غيرها من الحكومات في المستقبل أن تكسب الاحترام الخارجي و الثقة الداخلية عن طريق الجهد الإعلامي و تقوية الماكينة الإعلامية التي تسوق و تروج لوجود حكومة قوية في العراق دون أن تنعكس هذه الجهود الإعلامية مع الممارسة الفعلية على أرض الواقع، بل على الحكومة أن تُثبت للجميع بأن القرارات المصيرية تصدر دائماً عن الدولة و وحدها الدولة تحتكر العنف المشروع و لا تسمح للآخرين بلعب هذا الدور الذي يُضعف الدولة ويضرب سمعتها كما يحصل في الوقت الحالي في ظل تطاير صواريخ الكاتيوشا فوق العاصمة بغداد.

من غير المعقول أن تلعب مجموعة من الميليشيات الموالية للخارج بمصير أكثر من 38 مليون مواطن عراقي يحلمون بالعيش الرغيد بعيداً عن المشاكل السياسية و الاقتصادية و الأمنية ، ومن غير المقبول أن تتحجج الحكومة بعجزها عن تطبيق القانون على الميليشيات تحت مبرر الخوف من اشتعال الحروب الأهلية وخاصة أنها تمتلك القدرات الكافية لإنجاز هذه المهمة و إنقاذ العراقيين من كوابيس الإرهاب و الميليشيات التي تأخذ العراق إلى مصير مجهول و نفق مظلم .

الميثاق نت

مقالات متعلقة

An internal server error occurred.