الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية مقال خاص| بين الطائـفـيـة والـوعـي

مـكـي الـنـزال

"وضع الاحتلال دستور العراق ليرسخ الطائفية والعرقية، وحدد نسبًا مئوية لكل (مكوِّن) وكانت نسبًا عشوائية بظاهرها لكنها خبيثة ومنتقاة بعناية"

أول سيارة انفجرت في الفلوجة سنة 2003 كانت قرب المدرسة الإعدادية فتجمع الناس واضطرب الوضع؛ وكان هناك شاب يصيح قوات بدر الشيعية فجرتها، سألته وما أدراك؟ ارتبك ولم يجب، وبعدها علمت أن من أرسله ليقول ذلك هي نفس الجهة التي فجرت السيارة بكل تأكيد!

ثم في اليوم التالي نادى المنادي في المساجد أن قوات بدر (الشيعية) سممت الماء من الإسالة فاحذروا ولا تشربوا، فهاج الناس وماجوا، ذهبت إلى مجمع تنقية المياه الواقع على النهر واستفسرت فاستغرب العاملون هناك وأكدوا لي أن الإسالة محمية ولا حقيقة لما تقول؛ فشربت الماء وقلت اشربوا ولا تروجوا هذه الإشاعة ومثيلاتها، لكن وإن تبين أنها إشاعة فلقد ترسخ في الأذهان شيء اسمه شيعة وسنة.

من المؤكد أن قوات بدر فعلت وتفعل الأسوأ من هذه الجرائم، لكن ما أعني أن نداءات الطائفية ليست نزيهة بل لها غرض قذر، هو الدفع نحو الاقتتال الداخلي على أساس طائفي.

لامني أصحاب المشروع وأشاعوا أني متحالف مع الشيعة ضد السنّة، لكن الوعي العام في الفلوجة رفض تخرصاتهم بشدة، مع أن بعض الإخوة سألني عمّا أفعل فقلت: إذا كنتُ أحب السنّة فعليّ أن أحميهم وأول حماية لهم أن أجنبهم الاقتتال العقيم والموت بالجملة، فلا السنة يمكن أن يبيدوا الشيعة ولا العكس وكل الذي سيتحقق هو سيل من الدماء، يستثمره الساسة وتكبر عليه طفيليات الأحزاب والمنتفعين من الطرفين وتتجذر العداوة ويبقى نداء الثأر أبد الآبدين.

كان هذا قبل أكثر من سبعة عشر عامًا، فانظر عزيزي القارئ ماذا حصل خلال تلك المدة، لقد قرَّب الاحتلال أصحاب النداءات الطائفية (من الأطراف كافة) إليه واستوزرهم وجعل لهم الصدارة في المشهد السياسي وفي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، لماذا؟

لأنهم يخدمون مشروعه الاحتلالي وينفذون له مشروع تهديم البنية التحتية للعراق وتمزيق نسيجه المجتمعي ليكون طوائف متناحرة تسهل السيطرة عليها ولا تقوم للعراق قائمة.

وضع الاحتلال دستور العراق ليرسخ الطائفية والعرقية، وحدد نسبًا مئوية لكل (مكوِّن) وكانت نسبًا عشوائية بظاهرها لكنها خبيثة ومنتقاة بعناية، واضعًا في اعتبار منح تابعي إيران الحصة الأعظم لكي يضمن سلوكهم واختار من السنّة أولئك الموقعين على مواثيقه السابقة في لندن وصلاح الدين لنفس الغرض وأعطاهم نسبة 15% من المناصب والوظائف والرتب.

تذبذب الوعي المجتمعي العراقي بين العالي والمنخفض تبعًا للظروف، فكان المجتمع طائفيًا بامتياز، كلما فجر الاحتلال وأتباعه الوضع وكانت أسوأ الظروف في أيام القتل على الهوية الذي قامت به ميليشيات معروفة بمباركة أمريكية ودعم إيراني صريح، لكن المجتمع يعود لوطنيته المعهودة في ظروف أخرى، فحين حصلت كارثة الفيضانات التي سببتها إيران لأراضي الجنوب العراقي، هب أهالي الغربية للنجدة وتقديم العون والأمثلة عديدة... ونكمل معًا في العدد القادم بإذن الله تعالى.

مقالات متعلقة

An internal server error occurred.