الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ما الذي يربحه العراق من صور هؤلاء في شوارعه؟


مثنى عبد الله

شكرا للذين رفعوا صور أسيادهم في شوارع بغداد عاصمة الرشيد، ومدن العراق الأخرى في الأسبوع الماضي. شكرا وألف شكر لكل العملاء والتابعين ممن يذكّروننا دائما بجرائم هؤلاء حتى لا ننسى، وكي يتيقّن الجميع من أن الانتماء إلى الوطن ليس بالهوية، ولا بالتسجيل في سجلات النفوس، ولا بالسلطات التي تملكها في البلد، ولا بكم أعلامه التي تضعها على جانبيك في مكاتب السلطة، بل الانتماء يكون فقط بالعقل والضمير، وعندها وحسب يصبح الوطن ومضة معنوية كبرى بين جوانح الإنسان.

يعشق العراقيون رموزهم.. يتمثلون بها.. يقلدونها.. يفاخرون بها حد الغلو، حتى تبدو كياناتهم المادية والمعنوية قوية جدا وراسخة بهذه الرموز، إلى الحد الذي إن غابت أو غُيّبت فإن ما بُني في ظلها يتعرض للشرخ وربما الانهيار. لكنهم في الوقت نفسه لن يستعيروا أو يستوردوا من الأعاجم رموزا يصطفّون خلفها، لأنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ليسوا بقعة جغرافية وحسب، وليسوا بشرا وحسب، بل هم مزيج من العناصر النفيسة التي خُلقت كي تصنع التاريخ. هم يعتقدون أن الدنيا بدأت بهم، وربما ستكون نهايتها بهم أيضا. ومن يرى هذا دوره لن يُسلّم زمام قيادته إلى من هم ليسوا أبناء جلدته.

قبلوا فيصل بن الحسين ملكا عليهم ولهم، لأنه من أبناء قومهم، ولم يطلبوا أعجميا يولّى عليهم، فكيف بهذه الخامة من البشر أن يقبلوا صور الإيرانيين تُرفع في شوارع بلادهم؟ فهل صدأت معادن الرجال في العراق، ولم يعد فيه من يكون رمزا كي نستورد من الشرق زعامات؟ هذا هو حال لسان العراقيين اليوم.

في الأسبوع المنصرم غطّت شوارع بغداد وساحات المدن الرئيسية فيه، صور الخميني وخامنئي وقائاني وسليماني، ومن لف لفهم من الذيول والاتباع بمناسبة ما يسمونه يوم القدس العالمي. وكأن العراقيين نسوا القدس وكل فلسطين، ولم يعد من أحد يُذكّرهم بها، إلا حينما يرون صور هؤلاء أمام أعينهم. تصوروا أنهم يُذكّرون العراقيين بالقدس الشريف، وكأنها مدينة لم تسكن يوما في قلب وعقل كل عراقي وعربي. وكأن من يرقدون شهداء من الجيش العراقي في مقابر جنين ونابلس والمفرق واليرموك، الذين رووا بدمائهم الزكية أرض فلسطين والأردن وسوريا، إيرانيون وليسوا عراقيين. وكأن آلاف الفدائيين العراقيين الذين انتظموا في فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير العربية وغيرها من المنظمات الفلسطينية، لم يكونوا عراقيين. ومع كل هذه الدماء التي قدمها العراقيون، كانوا يقدمون الأموال والسلاح والتدريب والدعم السياسي كواجب مطلوب يؤمنون به. فليقل لنا الآن من يرفعون صور الإيرانيين في بلادنا، ماذا قدم أسيادهم هؤلاء إلى القضية الفلسطينية، التي يحاولون المزايدة بها على العراقيين؟ كم شهيدا إيرانيا سقط على أرض فلسطين؟ وكم مرة شارك الجيش الايراني في القتال ضد الصهاينة؟ والجواب ببساطة شديدة هي أن القضية ليست قضيتهم. إنهم فقط يستثمرون فيها لمصلحة الأمن القومي الإيراني، لذلك نجدهم في كل مرة يريدون تدمير بلد عربي يرفعون شعارا جديدا. مرة يقولون إن الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد وكربلاء، ويدمرون العراق كله. ومرة يقولون إن الطريق إلى القدس يمر عبر دمشق ويدمرون سوريا. وثالثة يقولون إن الطريق إلى القدس يمر عبر بيروت ويدمرون لبنان. واليوم يقولون إن الطريق إلى القدس يمر عبر صنعاء ويدمرون وأعوانهم كل اليمن. وكل هذه العواصم العربية هي التي احتضنت القضية الفلسطينية ودفعت دماء زكية من أجلها.

إن من يرفعون صور الإيرانيين في العراق، لو سألتهم عن تعريفهم للعراق لا يعرفون ماذا يقولون، لأنهم يؤمنون بأن العراق جزء من ولاية الفقيه، لكنك لو سألتهم عن أنفسهم من هم، سيقولون لك أنهم جند من جنود الولي الفقيه، أي أن الجغرافيا والتاريخ والأيديولوجية والولاء وكل التفاصيل الأخرى لديهم مختلفة عن بقية العراقيين. في حين أن هؤلاء الذين يظهرون في الصور، لا يفكرون في من يرفع صورهم في الساحات والشوارع العراقية، هم يفكرون فقط في قدرة إيران على التأثير في حاضر ومستقبل العراق، في مستوى إمكانياتها المتوفرة لصناعة قراره. في سلطتها على تحشيد طاقاته المادية والمعنوية لخدمة أهدافها. وكذلك في مدى نجاحهم في تهديم أكثر طموحات العراقيين نُبلا، كي لا تنهض فيهم من جديد، فيواجهون بها الإذلال الايراني لوطننا، بما يعرفونه عنا في التاريخ القديم والحديث. أما الشعارات التي ترفعها طهران فهي السياسة التي هي صراع القوى والمصالح والإرادات والممكنات، وبها تغش مُحنطي العقول من الذين لا يفهمون هذا السلوك، فتدغدغ الشعارات رغباتهم ونزواتهم فيرتضون لأنفسهم أن يكونوا جندا من جنود الآخرين.

يعشق العراقيون رموزهم.. يفاخرون بها حد الغلو، حتى تبدو كياناتهم المادية والمعنوية قوية جدا وراسخة بهذه الرموز

إن الرد الذي جاء على لسان بعض زعماء الميليشيات، على المعترضين على رفع صور زعماء إيران في العراق، بالقول إن من حقهم رفع صورهم لأنهم مراجعهم الدينية، كلام لا أساس منطقي له. أولا إن هؤلاء يتعاملون بالشأن السياسي يوميا، ويتصدّرون مؤسسات سياسية قائمة ومعروفة في إيران، وبالتالي لا توجد دولة تحترم سيادتها، حتى لو كانت مجرد اسم سيادة، تقبل برفع صور زعماء سياسيين لدول أخرى في ميادينها العامة. ثانيا، إن كانوا مراجع دينية لطائفة من الناس فهم ليسوا مراجع دينية لكل العراقيين، ولان البلد سفينة لكل سكانه فلا يمكنك أن تثقب المكان الذي تجلس فيه، وتقول إنه مكاني. بمعنى أنه لا يمكنك فرض مراجعك على الآخرين. ثالثا، في العراق مراجع دينية وسياسية وطنية أيضا، لكن لم نسمع أو نرى أن صورهم قد ملأت ساحات وشوارع طهران يوما. إذن لماذا هذا الامتياز الممنوح لهؤلاء؟ أذهبوا أنتم ومراجعكم الدينية والسياسية بعيدا عن بلدنا وشعبنا. ضعوا صورهم بكل الأشكال والأوضاع في بيوتكم ومقرات ميليشياتكم، لأن الميادين والساحات العامة في العراق ليست ملكا لكم، كي تفرضوا على الآخرين رؤية مراجعكم الايرانيين. وعلى الذين يجادلون بالقول إن هنالك من يضع صور جيفارا أو غيره على سياراتهم التي يركبون أو يطبعونها على قمصانهم التي يرتدون، عليهم أن يعلموا أن هذه تصرفات فردية لهم الحرية فيها. لكنك تقول إنك دولة وسلطة ولديك نواب في البرلمان ووزراء في الحكومة، وما تقوم به سيكون سلوك دولة وسلطة وليس سلوكا فرديا.

إن من يعتبر وجوده متميزا بقيمته الفردية وبتعدد انتماءاته وأبعاد شخصيته، لا يمكنه أن يلغي أو يذوّب أو يصهر أو يهدد، بأي شكل من الاشكال، وجود الآخرين المتميزين أيضا بقيمتهم الفردية وانتماءاتهم وأبعاد شخصياتهم. وأن الظن بإمكانية فرض رموز فئة على المجموع بوسائل الدولة الناعمة والخشنة وهم كبير، لأن هذا السلوك السياسي لن يُحصّن فاعليه ولن يُحصّن الدولة أيضا. فحصانة الدولة من حصانة حقوق المواطنة المدنية والسياسية.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

مقالات متعلقة