الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية دولة الميليشيات تحتفظ بالسيادة في عملية الدورة!


حاتم كريم الفلاحي

المقدمة:

لقد دخل النظام السياسي في العراق مرحلة حرجة وجديدة من التصعيد، بعد أن أحتدم الصراع بين حكومة الكاظمي والولايات المتحدة الامريكية من جهة، وبين ميليشيات الحشد الشعبي الولائي وايران من جهة أخرى، بعد إن أقدمت الولايات المتحدة على توجيه ضربة صاروخية أدت الى مقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس”في3يناير/كانون الثاني الماضي، مما دفع الميليشيات المسلحة التابعة لطهران الى دعوة البرلمان لعقد جلسة استثنائية لتمرير قرار يتضمن خروج جميع القوات الاجنبية من العراق وذلك في الخامس من يناير/كانون الثاني عام2020، حيث تفردت الكتلة الشيعية في إصدار قرار يلزم حكومة بغداد بإخراج القوات الاجنبية من العراق، رغم معارضة الكتلة السنية والكردية على هذا القرار الذي مرر وسط انقسام سياسي واضح، الامر الذي جعل العراق يتحول لساحة صراع مفتوحة بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة وبين ايران ووكلائها في العراق من جهة أخرى، حيث تصاعدت هجمات الميليشيات على المواقع العسكرية والدبلوماسية، ومما زاد الطين بلة هو إن حكومة بغداد تجاهلت المطلب الرئيسي لهذه الميليشيات المسلحة في الحوار الاستراتيجي الذي جرى يوم11و12حزيران الماضي، والذي يتضمن ويركز على خروج القوات الأجنبية من العراق، وخاصة “الامريكية”، مما دفع الميليشيات الى التصعيد من جديد بأطلاق العديد من صواريخ “الكاتيوشا” أثناء أجراء الحوار، على أهداف شملت محيط السفارة الامريكية في بغداد، ومطار بغداد الدولي، بالإضافة الى معسكر “التاجي”، الذي لا زالت تتواجد فيه القوات الامريكية، مما أحرج حكومة الكاظمي التي التزمت في الحوار الاستراتيجي بحماية المرافق الدبلوماسية والعسكرية الاجنبية وخاصة الامريكية التي تتواجد على الاراضي العراقية، مما دفع حكومة الكاظمي الى السعي لوقف هذه الهجمات بمداهمة المواقع التي يتم اطلاق الصواريخ منها ومنها موقع الدورة.

ازمات معقدة تتسبب في اختلاف الاولويات بين الميليشيات والحكومة:

تعتبر مسألة اخراج القوات الامريكية من العرق ليس من أولويات حكومة الكاظمي على الاقل في هذه المرحلة الصعبة، والتي تعتبر استثنائية وخطيرة، بسبب التدخل الخارجي والنفوذ الاقليمي الذي سيطر على مقدرات الدولة سياسياً، واقتصادياَ، وعسكرياً، واحدث انقساماً داخلياً واضحاً، الامر الذي عقد المشهد السياسي العراقي بشكل غير مسبوق، يضاف الى ذلك تعدد الازمات التي يمر بها العراق وتهدد بزوال النظام السياسي بأكمله ، فالحراك شعبي لا زال مستمراً وينادي باستعادة سيادة الدولة، وأنهاء المحاصصة الطائفية وحكم الميليشيات ، وخروج النفوذ الايراني، والقضاء على تفشي الفساد المالي والإداري، وهيمنة منظومة الفساد على مقدرات البلد الامر الذي أدى الى تبديد وسرقت ثروات العراق، وانهيار مؤسسات الدولة بالإضافة الى تفاقم الازمة الصحية التي يعاني منها العراق بسبب تفشي فيروس “كورونا” وعدم قدرة النظام الصحي في العراق على مواجهة هذه الجائحة، حيث صرحت منظمة الصحة العالمية بأن فيروس “كورونا” في العراق خرج عن السيطرة، يضاف الى ذلك الازمة المالية والاقتصادية وصلت الى عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، بسبب انخفاض اسعار النفط، مع مديونية مالية كبيرة وصلت لأكثر من(145)مليار دولار.

أما على المستوى الامني والعسكري فهناك اشكالية حقيقية تواجهها حكومة الكاظمي على المستوى الداخلي والخارجي، فالعراق يعاني من أزمة أمنية متعددة الوجوه، ومنها:

تصاعد العمليات الهجومية لتنظيم الدولة ضد القوات الحكومية النظامية والغير نظامية، خصوصاً بعد أن أوقف التحالف الدولي الدعم الجوي والجهد الاستخباري، بسبب تصاعد حدة التوتر مع ايران ووكلائها الذين صعدوا من عملياتهم الهجومية ضد القوات الامريكية، لإجبارها على الخروج من العراق والتي تعتبر أولوية لهم، مما أفقد العراق الدعم الجوي واللوجيستي لمواجهة التنظيم، الذي نشط بشكل كبير في الآونة الاخيرة بعد أن فشلت القوات الحكومية في الحد من عملياته الهجومية.

التهديد الاخطر على حكومة الكاظمي هو تغول الميليشيات الولائية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ، وقدرتها على فرض ارادتها السياسية بقوة السلاح، بل والاخطر أنها تعمل خارج إطار القوات المسلحة وخارج سيطرة الدولة، ولا تريد أن تكون جزأً منها، ولديها ارتباطات خارجية يعاقب عليها القانون العراقي، وهي تدين بالولاء للولي الفقيه في ايران، وسلاحها مغطى سياسياً، وقانونياً.

تدخلات عسكرية خارجية: لاشك بأن المتابعين للشأن العراقي يعرفون إن هناك تجاوزات على الاراضي العراقية من قبل ايران وتركيا، بسبب احتضان العراق لحزب العمال الكردستاني(PKK)في مناطق متفرقة من شمال العراق،مما دفع البلدين الى القيام بعمليات عسكرية برية هجومية، وقصف جوي ،ومدفعي، لمواقع الحزب وخاصة في المناطق الحدودية، بالإضافة الى مناطق في “سنجار” بمدينة الموصل، حيث تشير المعلومات الى قيام الحشد الشعبي بدفع رواتب لمقاتلي حزب العمال الكردستاني المتواجد على الاراضي العراقية باتفاقات معه، بحيث أصبح يفرض سيطرته بشكل كامل على المناطق التي يسيطر عليها، مما اعتبرته تركيا تهديد للامني القومي التركي، وكذلك ايران التي ترى في وجود جماعات مسلحة معادية لها على الاراضي العراقية فرصة للسيطرة على الكثير من المناطق الحدودية.

على ضوء ما تقدم من ازمات وتحديات يمكن أن نقول بأن هناك اختلاف وتباين كبير في الأولويات بين حكومة الكاظمي، وبين الميليشيات المسلحة التي أصبح لها كيان موازية لمؤسسات الدولة مغطى سياسياً وقانونياً، وتنفذ سياسات خارجية تهدد النظام الساسي القائم في العراق، وهذا يدفع حكومة الكاظمي بأن تجعل من مسألة خروج القوات الامريكية من العراق في هذه المرحلة الصعبة لا تشكل أولوية لها، خصوصاً بعد هدد الرئيس الامريكي بفرض عقوبات على العراق لم يسبق لها مثيل، كما إن حكومة الكاظمي ترى بأنها بحاجة للدعم الامريكي السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والمالي، لمواجهة الازمات التي يمر بها العراق، وهذا يتقاطع مع رؤية الميليشيات التي ترى بأن الحوار الاستراتيجي العراقي- الأميركي لم يلبي رغبة الميليشيات عندما تجاهل مناقشة مسألة خروج القوات الامريكية، مما دفع الميليشيات المسلحة الى شن هجمات متعددة، وحولت الحوار الى هجمات بصواريخ “الكاتيوشا” بسبب سطوتها وهيمنتها على الوضع العراقي، لترسل رسالة واضحة بأن القوات الامريكية ستبقى مهددة وغير مستقرة، وهذا كله يجري بدعم وتأثير إقليمي خارجي واضح.

الدوافع الحكومية لتنفيذ عملية الدورة:

إن هذا التصعيد العسكري الذي قامت به الميليشيات التابعة لطهران ضد أهداف مدنية وعسكرية أجنبية وعراقية، دفع حكومة بغداد الى تشديد الاجراءات الامنية، بعد أن غرد “الكاظمي” على حسابه في تويتر قائلاً: “إن الصواريخ التي استهدفت الجندي المجهول في بغداد ، تسعى الى تهديد استقرارنا ومستقبلنا وهو أمر لا تهاون فيه، لن اسمح لجهات خارجة على القانون باختطاف العراق من اجل احداث فوضى وإيجاد ذرائع لإدامة مصالحها” وكان هذا بمثابة إنذار للتصعيد لمحاسبة هذه الجهات الخارجة عن القانون، لأن هذه الهجمات تتقاطع مع الوعود التي تعهد بها الكاظمي في الحوار الاستراتيجي بحماية القوات الامريكية والمقرات الدبلوماسية، كما إن هناك دعوة من قبل الولايات المتحدة الامريكية للكاظمي لزيارة واشنطن لاستكمال الحوار على مستويات أعلى من اللقاء الاول، ويجب على الرجل أن يذهب وفي يده شيء يقدمه لواشنطن، ليثبت بأنه حليف وشريك قوي وموثوق به، الامر الذي قد يدفع واشنطن كي تساعده في مواجهة الازمات التي يمر بها العراق، فكانت هذه الاندفاعة لخلق نوع من التوازن بين النفوذ الايراني- الامريكي، وأرد أن يعطي رسالة مفادها بأنه قادر على تغير المعادلة في العراق، واستعادة سيادة الدولة، بعيداً عن النفوذ الايراني، مما يدفع الولايات المتحدة لدعمه عسكرياً، واقتصادياً، وسياسياً، ولكن يبدو بأن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن.

تفاصيل عملية الدورة حسب بيان قيادة العمليات المشتركة:

أصدرت قيادة العمليات المشتركة بياناً بينت فيه الاحداث والتطورات التي حدثت ليلة25/26حزيران الماضي عندما داهمت قوة من جهاز مكافحة الارهاب مؤلفة من(40)عربة مدرعة مقر لميليشيا كتائب حزب الله العراق تابع للواء(45) حشد شعبي في قرية “البوعثية” بمدينة “الدورة” جنوب “بغداد” حيث نجحت القوة باعتقال جميع أفراد المجموعة المسلحة المؤلفة من(14)شخصاً، من بينهم ايراني الجنسية، مع مصادرة(3) منصات لأطلاق الصواريخ محلية الصنع، من نوع “كاتيوشا” موجه وجاهزة للإطلاق ضد أهداف أجنبية ، وعراقية، عسكرية، ومدنية، هذا بالإضافة ضبط أجهزة تفجير عن بعد، وأجهزة ملاحة، مع اسلاك، وبطاريات ، واسلحة كاتمة للصوت، وقد جرت عملية الاعتقال بأوامر قضائية صادرة من القاضي المنسوب لجهاز مكافحة الارهاب، وقد لخصت قيادة العمليات المشتركة الاحداث في بيان جاء فيه:

توفرت لدينا معلومات استخبارية دقيقة عن الأشخاص الذين سبق وإن استهدفوا المنطقة الخضراء ، ومطار بغداد الدولي، بالنيران الغير المباشرة عدة مرات.

رصدت الأجهزة المعنية نوايا جديدة لتنفيذ عمليات إطلاق نار على أهداف حكومية داخل المنطقة الخضراء، وقد تم تحديد أماكن تواجد المجموعة المنفذة لإطلاق النيران استخبارياً، وأعدّت مذكرة إلقاء قبض أصولية بحقهم مِن القضاء العراقي وفق قانون مكافحة الارهاب.

قام جهاز مكافحة الإرهاب بتنفيذ واجب إلقاء القبض والحيلولة دون تنفيذ العمل الإرهابي ضد مواقع الدولة، حسب الاختصاص، ونفذ الجهاز المهمة بمهنية عالية، ملقياً القبض على أربعة عشر متهماً وهم عديد كامل المجموعة مع المبرزات الجرمية المتمثلة بقاعدتين للإطلاق.

شكلت لجنة تحقيقية خاصة برئاسة وزارة الداخلية، وعضوية الأجهزة الأمنية، أودعت المتهمين لدى الجهة الامنية المختصة حسب العائدية للتحفظ عليهم الى حين إكمال التحقيق والبت بموضوعهم من قبل القضاء.

تأشر لدينا بعد إتمام عملية القاء القبض تحرك جهات مسلحة بعجلات حكومية وبدون موافقات رسمية نحو مقرات حكومية من داخل المنطقة الخضراء وخارجها، تقربت مِن احد مقرات جهاز مكافحة الارهاب داخل المنطقة الخضراء، واحتكت به تجاوزاً.

إن هذه الجهات لا تريد ان تكون جزءاً مِن الدولة والتزاماتها وتسعى الى البقاء خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة الدستورية والقانونية.

وأختمت بيانها بأن هذه الجهات قد استخدمت قدرات الدولة وبما لا يمكن السماح به تحت أي ذريعة كانت، لذا فإننا نؤكد خطورة هذا التصرف وتهديده لأمن الدولة ونظامها السياسي الديمقراطي.

دولة الميليشيات ترد على اجراءات دولة حكومة الكاظمي:

لقد تباينت ردود الفعل السياسية والعسكرية للكتل السياسية والميليشيات المسلحة على إجراءات حكومة الكاظمي بين مؤيد ومعارض لها، حيث وقفت الكثير من الكتل والاحزاب السياسية متفرجة ومراقبة لتطورات الاحداث بين حكومة الكاظمي والميليشيات الولائية، بينما جاءت بعض ردود الفعل السياسية باهتة وغير واضحة، خصوصاً وإن الكثير منها يخشى سطوة الميليشيات المسلحة وهيمنتها على الوضع الداخلي العراقي، فيما جاءت ردود الفعل للميليشيات المسلحة التابعة لإيران صاخبة وقوية وخطيرة وتهدد النظام السياسي بشكل مباشر، لأنها ترى في الاجراء الحكومي ضد مجموعة الدورة خروجاً عن الاتفاقات والصلاحيات والهامش المسموح به لحكومة الكاظمي أن تتحرك ضمنه، لذا جاءت ردة الفعل على مستويات متعددة سياسية، وعسكرية، وأمنية، وكما يلي:

المستوى العسكري والامني: لقد كانت ردة الفعل العسكرية لميليشيات الحشد الشعبي قوية وواضحة وفضحت العلاقة بينهما بصورة جلية، عندما أقدم المئات من مسلحي كتائب حزب الله بالنزول الى الشارع بعجلات عسكرية مسلحة، حيث التحقت بها فصائل أخرى من ميليشيا “النجباء” وقاموا بمحاصرة وتطويق مقر لجهاز مكافحة الارهاب يتواجد في منطقة “الجادرية”، ومقر أخر يتواجد في المنطقة الخضراء، مهددين باقتحام هذه المقرات ما لم يتم اطلاق سراحهم المعتقلين، مع تهديدات مباشرة لرئيس الحكومة الذي وصفه المتحدث باسم كتائب حزب الله أبو “علي العسكري” “بالمسخ” مجدداً له اتهامه بمقتل “قاسم سليماني” وأبو “مهدي المهندس” وأعتبر العملية بأنه عربون جديد للعمالة يقدمه الكاظمي لواشنطن، واصفاً ما جرى بعملية خطف قام بها الكاظمي، فيما حذر “نصر الشمري” زعيم ميليشيا “النجباء” رئيس الوزراء قائلاً” نحذر من أي محاولة لاستهدافهم ولجر الأطراف إلى فتنة داخلية” وأضاف “بأنها ستكون حتماً محاولة فاشلة وغير محسوبة النتائج، وقد تجر على من أمر بها ما لم يكن بحسبانه مطلقاً” فيما علق “جواد الطليباوي” بأن رجال الحشد الشعبي رجال العراق الغيارى ولن نقبل بالتجاوز عليه”.

المستوى السياسي: لقد تباينت ردود الفعل السياسية والتي في غالبها تدعو للتهدئة وتميل الى الحشد أكثر مما تميل الى تقوية موقف الحكومة والدولة، ومنها ما صرح به رئيس ائتلاف دولة القانون “المالكي” الذي قال إن “الحشد الشعبي هو قائدُ النصر وعنوانٌ لقوة الشعب والدولة، وعلينا احترامه وحفظ هيبته، ولا يجوز الاعتداء عليه أو الانتقاص منه”واصفاً ما جرى بأنه اعتداء عليه ثم حاول المجاملة فدعا الى ضبط النفس، أما النائب “حسن فدعم الجنابي” فقد وصف حادثة اقتحام جهاز مكافحة الارهاب لأحد مقرات الحشد بأنه تصرف استفزازي وستكون له عواقب غير جيدة، بينما شنت شخصيات قيادية بالحشد الشعبي وابرزها تصريحات “قيس الخزعلي” التي انتقد فيها حكومة الكاظمي وخاطبها أمام الاعلام بصورة مباشرة قائلاً “بأن القصف الصاروخي الذي يستهدف مطار بغداد والمنطقة الخضراء ليس موجهاً ضد العراق أو العراقيين، بل ضد الأميركيين” وأضاف إن “من حق وواجب فصائل المقاومة أن تقاوم المحتلين وفقاً للشرائع السماوية والقوانين” وقد وصف اعتقال عناصر من الحشد من قبل مكافحة الإرهاب يعد فوضى عارمة، وما حدث من مداهمة لمقر يعود لحشد الشعبي في منطقة الدورة حدث خطير” وأضاف بأنه “لا رئيس الوزراء ولا غيره يستطيع الوقوف بوجه أبناء الحشد الشعبي، واستطرد قائلاً بأن “الكاظمي هو أول رئيس وزراء يستهدف الفصائل، بينما لم يقم رؤساء الوزراء السابقين باستهداف المقاومين”.

موقف التحالف الدولي من عملية الدورة:

لقد صرح التحالف الدولي على لسان المتحدث باسمه العقيد “گاكلين مايلز” بأن القوات الامريكية لم تشترك مع جهاز مكافحة الارهاب في اعتقال الخارجين عن القانون، وأن لا صحة للإشاعات التي تروج لها بعض المواقع الاخبارية، أو قيادات في الحشد الشعبي مثل “قيس الخزعلي” الذي قال “بأن العملية جاءت بأوامر أمريكية “،وأضاف المتحدث الرسمي “بأن قوات التحالف في العراق هي تحت الحماية العراقية”.

التحليل والخلاصات:

إن البيان الصادر من قيادة العمليات المشتركة يعكس الضعف الحكومي واجهزتها الامنية والعسكرية في تعاملها مع الميليشيات، فالبيان لم يسمي الاشياء بمسمياتها وتكلم عن اشخاص مجهولين ومجموعة مسلحين بدون أن ينسبها لأحد، ولم يطلق عليهم حتى تسمية ارهابين رغم الاسلحة التي ضبطت بحوزتهم من قواعد أطلاق للصواريخ واسلحة كاتمة وغيرها، ورغم المعلومات الاستخبارية التي توفرت لدى الاجهزة الامنية عن نواياهم في ضرب المنطقة الخضراء ،ومطار بغداد الدولي.

قامت الميليشيات بخلق حالة من الفوضى بنزولهم الى الشارع مدججين بالسلاح، ولم يكتفوا بهذا بل قاموا بتطويق مقرات عسكرية وحكومية، مما يؤكد زيف ما روجته الحكومات السابقة بأن ميليشيات الحشد الشعبي هي جزء من القوات المسلحة وأنها خاضعة لسلطة الدولة وسلطة القانون، بل أثبتت هذه الحادثة بأن هذه الميليشيات التابعة لإيران لديها مؤسسات موازية للدولة وخاصة بها ولا تعترف بحكومة الكاظمي، وهي ليست جزء من القوات المسلحة، ولديها دولتها العميقة في العراق بعيداً عن مؤسسات الحكومة المركزية في بغداد، وكل ذلك جرى وسط صمت حكومي مطبق للحكومة!.

إن عملية الدورة كشفت بصورة غير قابلة للبس بأن من يمتلك السلاح هو من يمتلك القرار في العراق، وهذا ما يجب على حكومة الكاظمي أن تعرفه وتتصرف على اساسه، فالقرار السياسي والعسكري والامني والاقتصادي مصادر بشكل كامل من قبل هذه الميليشيات، التي هددت باستهداف السفارة الامريكية ومقرات الحكومة خلال ساعات أذا لم تفرج حكومة الكاظمي عن المعتقلين، وإن الحكومة يمكن لها أن تعمل ضمن هامش محدد يجب عدم الخروج عليه، وفعلاً استجابة الحكومة لمطالبها، ويبدو بأن القانون يطبق على السنة فقط في العراق، لأن الذين اعتقلوا من حزب الله بالجرم المشهود من قواعد صواريخ واسلحة تم اطلاق سراحهم، رغم أنف الحكومة واجهزتها الامنية، بينما شباب السنة يعتقلون في منطقة الطارمية بتهم كاذبة لا صحة لها.

يمكن إن نسمي ما يجري بأنه صراع الارادات المحدود والداخلي بين حكومة الكاظمي، وبين الميليشيات التي تدير الدولة بدعم ايراني، والتي عملت على بناء مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة وهم ينظرون الى هذه الحكومة بأنها حكومة شكلية ضمن مقاسات محددة للعمل يجب أن لا تتجاوزها.

تحاول حكومة الكاظمي خلق نوع من التوازن أو حالة من التوازن بين النفوذ الايراني والامريكي في العراق من خلال تنفيذ هذه العملية، وايصال رسالة مفادها بأن الكاظمي قادر على قلب الموازين في العراق، ويحاول أيضاً أن يعزز في هذا الوقت صورة الحكومة وجديتها في تطبيق وعودها بحماية القوات الامريكية في العراق من أي هجمات، لكي يذهب الى واشنطن وبيده شيء يقدمه لكسب الدعم الامريكي لمواجهة الازمات التي تعصف بالعراق.

لقد كشفت عملية الدورة بأن هناك دولة حاكمة وموازية لحكومة الكاظمي، التي يجب عليها أن تعمل ضمن نطاق محدد لها كما صرح “قيس الخزعلي”، الذي حدد مهام حكومة الكاظمي محصورة بقضيتين هما: التحضير لأجراء انتخابات مبكرة، ومواجهة الازمة الصحية، والاقتصادية، وليس من واجبها التدخل في سياسية الميليشيات، أي حكومة شكلية بمقاسات الميليشيات فقط.

لقد كانت رسالة الكاظمي شديدة للميليشيات ولكنه قد يكون أخطأ في توجيهها في هذا الوقت، بسبب ما ألت اليه نهاية هذه العملية، والسؤال المهم هل ستوقف هذه العملية أطلاق صواريخ الكاتيوشا على القوات الامريكية والمقرات الحكومية في المنطقة الخضراء؟، خصوصاً بعد أن فرضت الميليشيات ارادتها السياسية وقامت بأطلاق سراح المعتقلين، بعد أن وضعت صور “الكاظمي” على الارض ليدوسوا عليها بأقدامهم، ثم نتكلم عن فرض القانون وهيبة الدولة، وهنا نسأل هل هناك دولة في العراق أصلاً؟ لكي نحافظ على هيبتها وسط سطوة وهيمنة الميليشيات؟.

لقد فشلت الحكومة فشلاً ذريعا في مواجهة الميليشيات، لأن مخرجات ومالات العملية العسكرية والاجراءات التي اتخذتها الحكومة اصطدمت بواقع ميداني خارج حساباتها، لذا لم يكتب لها النجاح بسبب ضعف الحكومة وأجهزتها الامنية والعسكرية، الامر الذي يقابله تغول الميليشيات في مؤسسات الدولة، كما إن أطلاق سراحهم أدى الى إحباط كبير في الشارع العراقي، الذي يتوق الى استراد القرار السيادي الذي يفتقده العراق منذ الاحتلال عام2003، كما أنه هذه الحادثة جرأة وقوت موقف الميليشيات بشكل كبير، التي ظهرت بأنها صاحبة القرار النهائي، وفرضت ارادتها على الحكومة بقوة السلاح.

عندما يصدر أمراً من قبل القائد العام للقوات المسلحة مدعوم بقرار قاضي مختص باعتقال مجموعة ارهابية ، ويضبط معهم قواعد لأطلاق الصواريخ، وشخص ايراني، والكثير من المتعلقات العسكرية الاخرى، والتي كانت معدة لاستهداف مقار حكومة مدنية وعسكرية، ثم لا يعد ذلك جرما في حكومة “الكاظمي” التي تبين بأن من يحكمها الميليشيات التي ترى إن الحكومة تدخلت فيما لا يعنيها، والمشكلة بان الحكومة صمتت ورضخت لإرادة الميليشيات، ثم نتكلم عن دولة مؤسسات، وقانون، وسيادة وهيبة دولة! العراق هكذا يحكم اليوم بفضل الديمقراطية الامريكية- الايرانية.

السؤال الخطير الذي يجب أن تعرفه حكومة الكاظمي بأن هناك اختراق كبير في مؤسسات الدولة الامنية والعسكرية، وهو ليس وليد الساعة بل منذ بداية الاحتلال، عند شكلت النواة الاولى لهذه الاجهزة من الميليشيات التابعة لإيران، ثم استمر تغولها وسطوتها وهيمنتها على الاجهزة الامنية والعسكرية، ومن يتابع المعلومات التي نشرتها الميليشيات على مواقع التواصل الاجتماعي عن تفاصيل العملية التي قام بها جهاز مكافحة الارهاب، يرى الاختراق الكبير لهذه المؤسسة التي يتغنى بها رئيس الوزراء، فقد نشرت تفاصيل حول أمر القوة التي قامت بتنفيذ الواجب بالتفصيل الدقيق، مما يعطي دليل واضح على حجم الاختراق في المؤسسة الامنية والعسكرية لصالح ايران.

إن قيام الاجهزة الامنية والقوات العسكرية بفتح الطرق للميليشيات للتنقل والوصول الى المقرات العسكرية والمدنية في بغداد دون أي حراك أو مواجهة أو اعتراض، يضع الكثير من علامات الاستفهام على ولاء هذه القوات وواجباتها المنوطة بها، والتي وقفت تتفرج على تطويق المنطقة الخضراء والمقرات الاخرى، ويجعلنا نقول بأن هناك خلل كبير في بناء المؤسسة الامنية والعسكرية، ويجب أن يكون الولاء للوطن وليس للحزب أو الطائفة.

لقد ظهر “الكاظمي” الذي نادى باستعادة قرار الدولة السيادي ضعيفاً وغير قادر على السيطرة على المؤسسة الامنية والعسكرية والقضائية، التي بدأت مخترقة وعاجزة ووقفت متفرجة وغير قادرة على مواجهة تغول للميليشيات، بل فشلت في اتخاذ اجراءات رادعة لها خصوصاً، بعد أن سلم المعتقلين الى أمن هيئة الحشد الشعبي تحت قيادة أبو زينب اللامي (حسين فلاح اللامي)، القيادي في كتائب حزب الله العراق، وهي الجهة المتهمة بتنفيذ هذه العمليات، وهذا تصرف غريب وغير مسؤول ويرسل رسالة خاطئة بأنه لا يريد التصعيد مع الميليشيات، وبهذا التصرف هو يريد التنصل من الامر بإيجاد تخريجه قانونية لأطلاق سراحهم، وهنا نقول فلو قدر أن ضبطت القوات الامنية مجموعة مسلحة من طائفة معروفة ومعها قواعد لأطلاق الصواريخ هل سيتم اطلاق سراحهم؟، لرأينا كيف تعاملت معها القوات الحكومية؟.

عندما تكون لديك جهات لا تريد أن تكون جزءا من الدولة والتزاماتها، وتسعى إلى البقاء خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة، ما هي الاجراءات التي يجب على الحكومة أن تتخذها لفرض القانون وهيبة الدولة؟ وهل تقوم مثلاً بأطلاق سراحهم كما حصل مع خلية(الدورة)، التابعة لكتائب “حزب الله العراق” الامر الذي سيدفع الشارع العراقي الى مزيد من فقدان الثقة بالحكومة التي بدأ عوارها بشكل لا واضح ودقيق، وسقطت الدعاية التي تقول بأنها جاءت للإصلاح، والتغير، واستعادة سيادة الدولة، بعيداً عن محاور الصراع في المنطقة.

من الحقائق التي يجب أن تعترف بها الحكومة إن سلاح الميليشيات مغطى من قبل اجنحة سياسية لها تمثيل كبير في البرلمان، كما أنها تعمل وتستفيد وتوظف القوانين التي صدرت لمصالحها الخاصة، ومصالحها الحزبية الطائفية، ومصالح جهات خارجية، وهذه الميليشيات ترى نفسها فوق الحكومة والدولة وهي من جاءت بهذه الحكومة، وهي القادرة على اسقاطها، لذا يجب عليها أن تقف عند حدود معينة.

لقد كشفت ردة الفعل القوية للميليشيات حقيقة نظرتهم وتعاملهم مع حكومة بغداد، وضعف انتمائهم الوطني، وخروجهم عن سلطة الدولة التي يرفضون أن يكونوا جزءاً منهم، من خلال التهديدات التي أطلقوها والفوضى التي أحدثوها بمحاصرة مقار عسكرية ومدنية، بحيث لا توجد أي منظومة قيادية ضمن الحكومة العراقية يعملون تحت سيطرتها بما فيها هيئة الحشد الشعبي، وإن القيادات التي تديرهم ترتبط بالولي الفقيه في ايران وهم يعلنون ذلك على الملء.

إن قيام الكاظمي بتعيين “الاعرجي” وزير الداخلية في حكومة العبادي و القيادي في منظمة “بدر” كمستشار للأمن القومي، بدل “فالح الفياض” وكذلك بالنسبة لتعينه الفريق عبد الغني الاسدي رئيسا لجهاز الامن الوطني وهو المقرب من ميليشيات الحشد الشعبي، وهذه التعينات تعطي دلالة واضحة على إن النفوذ الايراني يتمكن بشكل أكبر من الدولة العراقية، وهو يناغي بذلك “هادي العامري” الذي يقود حملة لجمع تواقيع لاستضافة الكاظمي في البرلمان العراقي بسبب فشله في مواجهة جائحة كورونا”، وهو بذلك يرسل رسالة مفادها بأنه لا يعمل ضد النفوذ الايراني في العراق، وهذا يتناقض مع الشعارات التي رفعها في مواجهة النفوذ الايراني، وخلق حالة من التوازن مع الولايات المتحدة الامريكية.

الخاتمة:

يبدو بأن حكومة الكاظمي التي صدعت رؤوسنا بالسيادة ها هو ينحي للعاصفة، بعد أن فرضت الميليشيات المسلحة التابعة لإيران أرادتها بقوة السلاح شاء من شاء وأبى من أبا، فقد غرد الكاظمي على حسابه في تويتر في 18حزيران الماضي قائلاً: ” الصواريخ التي استهدفت الجندي المجهول في بغداد ، تسعى الى تهديد استقرارنا ومستقبلنا وهو أمر لا تهاون فيه ولن اسمح لجهات خارجة على القانون باختطاف العراق من اجل احداث فوضى وإيجاد ذرائع لإدامة مصالحها” وها أنت يا رئيس الوزراء تسمح لهذه الميليشيات أن تفعل ما تريد، وقد ذهبت هذه التصريحات أدراج الرياح، ويجب عليك أن تعترف وكذلك الولايات المتحدة الامريكية بأن النفوذ الايراني في العراق هو الحاكم الفعلي للدولة في العراق من خلال الادوات السياسية والمسلحة التي وظفها لذلك، كما إن حكومة الكاظمي تراجعت عن وعودها باستعادة هيبة الدولة وفرض القانون في عدة حوادث، منها حادثة “البصرة” عندما أغلقت مقر “ميليشيا ثأر الله” ثم تم فتحها بدون موافقة الحكومة، واليوم يتم اطلاق سراح المعتقلين في حادثة “الدورة” بدون أي نتائج ملموسة، بعد أن تستر القضاء، والسلطة التشريعية ، والتنفيذية على كل الادلة التي تدين هذه المجموعة، التي تعمل خارج سلطة الدولة، حيث تم اخلاء سبيلهم ، وتم تصويرهم وهم يدسون صورة الكاظمي التي وضعوها تحت أقدامهم في رسالة تحدي واضحة لحكومته، التي صمتت على مخرجات هذه القضية، وهنا أسال القضاء هل تم التحفظ على قواعد الصواريخ التي تم ضبطها أثناء المداهمة وقيدت ضد مجهول أم لا؟ كما يبدو إن القضاء العراقي يطبق القانون على السنة فقط.

مقالات متعلقة