الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

دور الأمم المتحدة في إدارة الصراع الدولي / دراسة تقويمية للحالة العراقية (1991- 2006) (2-3)


بواسطة مركز راسام

جاسم الشمري

استكمالا للدراسة حول دور الأمم المتحدة في إدارة الصراع الدولي إبراز معايير واضحة محددة لتحديد ماهية إدارة الصراعات وكذلك، الآليات المختلفة لإدارتها، وقد خلصت الدراسة إلى:

– تنشأ الصراعات بين الدول تنشأ نتيجة تعارض الأهداف القومية للدول في علاقاتها المتبادلة، وخاصة تلك التي تستند إلى فكرة “المصلحة”، وبالتالي، تتحدد المصلحة في نطاق التأثير أو السيطرة، والقوة على هذا الأساس، والتفاعل الذي يتم بين هذه العناصر والمكونات هو الذي يحدد في النهاية حجم قوة الدولة.

– يتحدد مقياس نجاح إدارة أية صراع دولي يتحدد على ضوء مصلحة المجتمع الدولي ككل، وفي ضوء الممارسات الواقعية.

– وأخيرًا، يتطلب وجود الصراعات الدولية تطور وسائل إدارة الصراع، والواقع إن اختيار طرق خاصة ونجاحها أو فشلها يعتمد على الغرض والمهارة ومصالح الأطراف المتنافسة؛ حيث إنه ليس كل صراع، أو عدم اتفاق بين الدول يحتاج إلى تسوية، أو حل سلمى فهناك عدة صراعات لم تحل بعد. ولكن عندما يسيطر الرأي العام يصبح الصراع هنا مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للدول المتصارعة.

– دور الأمم المتحدة أثناء حرب الخليج الثانية:

قدمت منظمة الأمم المتحدة أثناء حرب الخليج الثانية نموذجًا واضحًا لتفاعل مبدأ الشرعية الدولية، وواقع التوفيق بين المصالح القومية للدول، فإن الانتصار للشرعية الدولية كان يحقق في الوقت ذاته حماية مصالح أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لاسيما الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وبناء على التطابق بين مبدأ الشرعية الجماعية والمصلحة القومية الأمريكية، جاء تصرف الأمم المتحدة – في حالة الكويت والعراق- بوصفها أداة في يد الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ برامجها في المنطقة الإستراتيجية، مما يؤكد أن قرارات الأمم المتحدة تجاه أزمة الخليج قد ساهمت بشكل فعال في تسوية الأزمة، وبالاستناد إلى الأسس والمبادئ التي قامت عليها هذه المنظمة الدولية؛ حيث كان دورها منسجمًا مع ضرورة حماية الشرعية الدولية، ومواجهة العدوان.

وقد اتبعت الأمم المتحدة في معالجتها للغزو العراقي لكويت نهجًا مختلفًا عن النهج السابق خاصة أثناء فترة الحرب الباردة، نتيجة لتغير طبيعة النسق الدولي إلى الأحادية القطبية من ناحية، وظهور عوامل عديدة دفعت الأمم المتحدة إلى المزيد من الفاعلية والتأثير في مجريات الأحداث الدولية من ناحية أخرى. ورغم أن هذه المنظمة استطاعت تحقيق بعض حالات النجاح على صعيد تفعيل دورها الدولي في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، لكنها بالمقابل، أثبتت فشلها في الكثير من آليات عملها الخاصة بحسم ملفات الصراع بين الدولتين، وكذلك عدم قانونية الإجراءات التي اتبعتها في سبيل إنهاء الصراع بين العراق والكويت، بسبب غلبة المواقف السياسية على المسائل القانونية.

أضف إلى ذلك، تتحمل الأمم المتحدة المسؤولية الدولية نتيجة الإخلال بقواعد نظامها القانوني، والتزاماتها التعاقدية، كما تتحمل المسؤولية عما ارتكبت من أخطاء بصدد ممارستها من خلال أجهزتها وسلطاتها، وفقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن ثم؛ فقد ألحقت الحرب الأمريكية على العراق في عام 2003 ضررًا كبيرًا بميثاق الأمم المتحدة، فلم تعد هذه المنظمة تلك الهيئة التي أراد لها العالم أن تكون راعية للسلم والأمن الدوليين، وملاذ الدول الضعيفة في مواجهة الدول الكبرى.

ونخلص مما تقدم إلى أن مجلس الأمن لم يتخذ تدابير عسكرية تجاه أية دولة إلا في حالتين؛ الأولى: ضد كوريا الشمالية لغزوها كوريا الجنوبية عام 1950، والثانية: ضد العراق بسبب غزوه الكويت عام 1990 كما أن المادة (106) من الميثاق لا تصلح أن تكون الأساس القانوني للقرار 678 القاضي باستخدام القوة ضد العراق.

– وأخيرًا، من خلال تحليل دور الأمم المتحدة تجاه الأزمات العراقية، كشفت الدراسة عن العلاقة الجدلية في العلاقات الدولية بين القوة والشرعية الدولية، بمعنى أنه إذا ما استشعرت دولة كالولايات المتحدة الأمريكية بتفوقها على غيرها من مقدرات القوة، فإنها تحاول بشتى الطرق تحقيق مصالحها (من خلال توظيف الأمم المتحدة) باسم الشرعية الدولية، بل إنها لا تتورع عن محاولة التعديل في هذه القواعد، وربما تلغيها وتنشئ قواعد جديدة.

وأخيرا يمكن القول أن قرارات مجلس الأمن الصادرة تجاه العراق بداية من الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 إلى مرحلة احتلال العراق في أبريل 2003، تعد بعيدة تمامًا عن قواعد الشرعية الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، وبالرغم من أن مجلس الأمن هو المعنيّ بالأساس بحفظ السلم والأمن الدوليين – وفقًا للمبادئ التي حددها الميثاق – فإن قراراته الصادرة حيال العراق اتسمت بسمتين أساسيتين؛ الأولى: هي الخروج عن الميثاق أي تجاوز مجلس الأمن لسلطاته وصلاحياته المقررة له وفق الميثاق، والثانية: هي التعسف في استخدام تلك الصلاحيات ليتجاوز هدف تحقيق السلم والأمن الدوليين إلى حد خدمة لمصلحة دولة بذاتها، حتى وإن قاد ذلك إلى انتهاك قواعد الشرعية الدولية برمتها، فمازال هناك شك حول مدى شرعية استخدام القوة ضد العراق عام 1991، إذ لا توجد أية إشارة في الميثاق إلى أنه من حق المجلس أو صلاحياته منح تراخيص لتحالفات دولية لاستخدام القوة ضد دولة أخرى بعيدًا عن رقابته وإشرافه.

وملخص الأمر أنه لم تستطع الأمم المتحدة بكل أعضائها وهياكلها أن تتخذ خطوات دون الولايات المتحدة الأمريكية، وصارت مجرد أداة تنفيذية لها لصبغ الشرعية الدولية على الغزو الأنجلو أمريكي على العراق وإسقاط نظامه.

وللكلام بقية.

مقال خاص براسام

مقالات متعلقة