الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار الميثاق مع الأكاديمي والباحث الاستراتيجي الدكتور وليد الزبيدي عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي.

.


حدد الباحث الاستراتيجي الأستاذ وليد الزبيدي مسار أزمة كورونا وانعكاسها على الإنسان والاقتصاد

وأوضح في حوار الشهر أن المعرفة ستنتج عصرا رقميا يتجاوز اشتراطات العصر الذي يعصف به كورونا، وفيما يأتي نص الحوار:

الميثاق/ من نظرة استراتيجية، كيف يبدو العالم الآن؟

الزبيدي/ شهد العالم عواصف وأعاصير سياسية وأمنية خلال العقدين المنصرمين كما لم يحصل في السابق، وفي المحصلة النهائية لم يعد العالم كما تم التخطيط له خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي (القرن العشرين)، ومن يريد أن يتعرف على صورة العالم الحالية، عليه التعرف على ما تردد كثيرا في تسعينات القرن المنصرم، من أن القرن الأول في الألفية الثالثة سيكون أميركيا بامتياز، لكن الواقع يقول إن القرن الحالي لم يكن كما أردوه على الإطلاق، وأهم مؤشر هو أن العالم لم يعد يسمع بمهندسي "القرن الأميركي" وهم " المحافظون الجدد" الذين رسموا جميع خطط الحرب على العراق، ونتيجة لما تكبدته أميركا في ما يسمى ب"حربها على الإرهاب" وفي مقدمة ذلك في العراق وأفغانستان، فإن مصطلح "القرن الأميركي" أصبح باليا ومهترئا، وغالبية ذلك حققها الجهد المقاوم الذي تصدى للمشروع الكوني الأميركي، حيث تم توجيه أكبر ضربة قاصمة للاقتصاد الأميركي بعد الخسائر البشرية الفادحة، وهذا ما أقر به المفكر الاقتصادي الأميركي لورنس ليندزي، وضمنه كتابه الصادر في صيف عام 2008، وجاء بعنوان (ما رفض تعلمه الرئيس بوش أرغمه العراقيون على تعلمه)، وفجّرت المعلومات الخطيرة في الكتاب الأزمة الاقتصادية الشهيرة التي برزت في سبتمبر-أيلول من عام 2008، من جانب آخر، تقول مجلة نيوزويك الأميركية، إن نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، (عقد من الجحيم، وهو الأكثر إثارة لليأس في حياة الأميركيين منذ الحرب العالمية الثانية)، وقال مفكرون أميركيون: إن مصطلح نهاية التاريخ، الذي روج له كثيرا المفكر الأميركي فوكوياما مع انهيار الاتحاد السوفيتي، قد حلت مكانه عبارة عودة التاريخ.

ولم يكن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أفضل من سابقه، فقد شهد اندلاع احتجاجات في العديد من الدول العربية وإيران و تركيا، وتمخض عن ذلك تغييرات جوهرية في بعض الدول كما حصل في تونس وليبيا ومصر وتوترات ومواجهات مسلحة واسعة في دول أخرى، وأصبحت السمة الغالبة للعقد الثاني الاضطرابات والنزوح الواسع داخل بعض الدول وخارجها، كما تواصلت الاحتجاجات في العراق ما أرغم القائمين على العملية السياسية على الاعتراف بضرورة تغيير الدستور ومعاقبة اللصوص ومرتكبي الجرائم بحق العراقيين، أما العقد الثالث، فقد شهد إعصارا مزلزلا جديدا، خطف الأبصار وضرب جميع دول العالم، هو وباء كورونا المستجد، وألقى بظلال قاتمة على مختلف مناحي الحياة وفي مقدمتها أسعار النفط وتداعياتها المتشعبة والمعقدة.

الميثاق/ كشف وباء كورونا غياب أي استراتيجية بين الدول الكبرى لمواجهته؟

الزبيدي/ الاستراتيجيات في الغالب تأتي بعد المصاعب والكوارث، ولأن العالم لم يشهد مثل هذا الحدث، فليس مستغربا ما يجري والمتمثل بغياب استراتيجيات واضحة، لكن ثمة أسس وملامح قد تكون فاعلة في المستقبل في حال حصل وباء مشابه في المستقبل وبدون شك، إن دراسات ومراجعات واستنتاجات ستخضع للدراسة والتمحيص بعد انتهاء موجة الوباء.

الميثاق/ هل نشهد صراعا أو حربا أميركية إيرانية؟

الزبيدي/ لا اعتقد حصول ذلك، رغم أن السياسة قد تأتي بمفاجآت كثيرة، لكن لا بد من التأكيد على أن المشاريع الأميركية والإيرانية في المنطقة غير متقاطعة، وتتكامل في الكثير من أوجهها، لكن قد تحصل مواجهات محسوبة ومحدودة.

الميثاق/ هل سيختل التوازن في المنظومة الدولية بعد كرونا؟

الزبيدي/ وباء كورونا هاجم الجميع بدون استثناء، وقد تتغير منظومة العمل والمشاريع والتخطيط الاقتصادي والتجاري، وتتأثر سياسات بعض الدول المؤثرة في السياسة الإقليمية والدولية، وسيكون التأثير الأكثر وضوحا في الجانب الاقتصادي.

الميثاق/ من هم الخاسرون والرابحون في تداعيات كورونا؟

الزبيدي/ قائمة الرابحين أقل من قائمة الخاسرين، لكن القطاع المتعامل بالتقنيات الحديثة والمهن الرقمية قد تكون الأقل تأثرا، وفي المستقبل القريب قد يكون قطاع المتضررين أوسع بكثير.

الميثاق/ هل ستحتفظ أميركا بموقعها في صدارة العالم؟

الزبيدي/ لم تصل الولايات المتحدة إلى صدارة العالم بالشعارات والهتافات، بل حققت ذلك من خلال مؤسسات ودستور رصين، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتها، إلا أن الدولة الأميركية تقف على أرضية ليست هشة كما يقول البعض، لكن تراجعا واضحا في مكانتها يظهر باستمرار، وبدون بروز دول لا تتأثر بالسياسات الأميركية، وتعتمد على مؤسسات رصينة لن تتحقق رغبات الكثيرين بتراجع كبير في الهيمنة الأميركية.

الميثاق/ هل أنت مع الرأي القائل أننا على اعتاب العصر الصيني؟

الزبيدي/ العصر الصيني ظاهرة اقتصادية متميزة، ومن أهم مقومات هذا العصر أنه لم يتمسك بأيدولوجية سياسية تهيمن على الاقتصاد وتوجهه حسب أهواء الزعماء، وكان الدور المهم للاقتصاد الصيني اعتماده المرونة ودراسة متطلبات السوق في داخل الصين وخارجها، كما أن الظاهرة الصينية قد أعطت مساحة واسعة للاقتصاد والثقافة الرقمية، وقد يكون أفضل مثال على ذلك رجل الأعمال الصيني الشهير جاك ما مؤسس وصاحب سوق علي بابا، ومن مميزات التجربة الصينية أنها لم تترك لعصب الحياة الجديد أقصد الإنترنت تحت رحمة الولايات المتحدة، كما يحصل في أغلب دول العالم، وإنما هناك شبكة خاصة بها وشركات عملاقة تنافس الشركات الأميركية كما في شركة هواوي، لكن تصدر الصين العالم في الاقتصاد قد يكون سابقا لأوانه.

الميثاق/ هل تعتقد أن المعرفة والعصر الرقمي سيغير معادلة الصراع في العالم؟

الزبيدي/ توقفت في سياق هذه المقابلة في أكثر من إجابة عند أهمية العصر الرقمي، وأبرز ما فيه عنصر الذكاء الاصطناعي، وعندما سؤل بيل جيتس في العام 2000، كيف ترى القرن الجديد، لم يقل إنه قرن أميركي كما قال غيره، بل قال إن قرنه الذكاء الاصطناعي، و بدون شك تقف المعرفة بصورة عامة في المقدمة وهي المرتكز الثابت والقوي لنهضة الأمم والمجتمعات، وبدون شك الذي يحقق تقدما في الثقافة والمعرفة الرقمية سيكون له السبق في ذلك، وعندما تحدثنا عن الصراعات المستقبلية، فإن الحديث يذهب باتجاه المعرفة الرقمية، لذلك ما يحققه وادي السليكون في الولايات المتحدة يتفوق في المستقبل القريب على ما تحققه البنتاجون بكل قواتها المعروفة.

الميثاق/ وهل سيبقى النفط سلعة استراتيجية في العالم الجديد؟

الزبيدي/ بعد قرن تقريبا على ظهور النفط ودخوله في الصناعة والصراعات أيضا، تتجه بوصلته صوب النكوص والتراجع، وهناك عدة عوامل تتحكم في ذلك، الأول يتمثل في زيادة الاهتمام بمصادر الطاقة النظيفة وتخصيص ميزانيات كبيرة لها، منها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والثاني زيادة اهتمام الولايات المتحدة بالنفط الصخري والثالث معضلة تأمين النفط من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة، التي تكلف الميزانية الأميركية سنويا مائتي مليار دولار، وأن استثمار هذا المبلغ الضخم في الطاقة النظيفة والنفط الصخري قد يكون البديل الآمن على المدى المتوسط والبعيد، ويتوقع الخبراء أن يبقى الشرق الأوسط منطقة ليست آمنة في المدى المنظور.

الميثاق/ نحن كعرب، ما موقعنا ودورنا في العالم الجديد الذي بدأ يتشكل؟

الزبيدي/ طالما تمسكنا بما يمكن تسميته بالمجتمعات الاستهلاكية وعدم وجود خطط حقيقية للاستثمار في المعرفة الرقمية، وبدون خطط استراتيجية يضعها العلماء ولا يتدخل فيها السياسيون، فإنه لا مكان فاعل لهذه الأمة في المستقبل القريب.

الميثاق/ ما هو مصير الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والجامعة العربية؟

الزبيدي/ إذا تحدثنا عن الأمم المتحدة والجامعة العربية، فإن تأسيسهما قد جاء نتيجة لحاجة الدول الكبرى لها، ليس لحاجة حقيقية لدول العالم الأخرى لها، قد بدأت مثل هذه الحاجة بالتراجع، أما الاتحاد الأوربي فقد تأسس على أرضية صلبة، لأنه عبارة عن مشروع اقتصادي لخدمة الأمم والمجتمعات الأوربية

مقالات متعلقة