الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة الكاظمي: تسوية مؤقتة بين أمريكا وإيران في العراق المحتل


طلعت رميح

لم يكن تشكيل حكومة الكاظمي ناتجًا عن توافقات بين أطراف العملية السياسية- الموالي منها لإيران أو للولايات المتحدة، بل عبر التشكيل عن حدوث توافقات وتوازنات مصالح بين الحكومتين الأمريكية والإيرانية. وهي حالة معتادة، في تشكيل حكومات العملية السياسية منذ بداية احتلال العراق في عام 2003. غير أن أشواط الصراع الحامية بين الولايات المتحدة وإيران، خلال الفترة الأخيرة، قد جعلت تشكيل تلك الحكومة حالة خاصة، باعتبارها ناتج تسويات وتراجعات وتقدمات بين طرفي الاحتلال. فهل انتهت المواجهة الساخنة وعادت الدولتان مجددًا إلى القاعدة القديمة، بما يحقق استدامة لبقاء الحكومة أم إننا أمام وضع مرحلي لا يسمح لها بالبقاء مطولًا؟

ما يجب التركيز عليه أولًا هو أن حكومة الكاظمي هي طبخة تستهدف متظاهري ثورة تشرين والرأي العام العراقي. بالدقة تشكلت حكومة الكاظمي وعلى رأس أولوياتها محاولة تغيير المزاج العام لحكومات الاحتلال وامتصاص الغضب الشعبي الذي فشلت الحكومات السابقة في التعامل معه، كما تستهدف تلك الحكومة تقليل الآمال المعقودة على ثورة تشرين. جاءت الحكومة لتلعب اللعبة الأخطر والأكثر خبثًا، وهي لعبة امتصاص الضغط الشعبي والسعي لتفكيك حركة الثوار على الأرض؛ بل هي تسعى لاستقطاب قطاع منهم وإضاعة الوقت وإطالة أمد المظاهرات لإفشالها، وكل ذلك تحت غطاء بادعاء أن الحكومة تشكلت لتحقيق مطالب الثوار. هي لعبة الحكومة باتت ظاهرة من تصوير قراراتها تحت هذا الغطاء، وكل ما صدر عنها حتى الآن ليس إلا كلامًا ووعودًا أقرب إلى تفعيل آليات حرب نفسية على المتظاهرين لا أكثر ولا أقل.

ويبدو أن ثمة من يستهدف تحويل المظاهرات إلى حركة مطلبية –لا فعل ثوري- أو إدخالها ضمن دوامة صراع بين المتخاصمين في العملية السياسية، وجعلها حركة رافعة لهذا الطرف أو ذاك.

وأهمية كل ما سبق، هو أن هذا هو المشترك الذي شكل خلفية تبادل المصالح بين دولتي الاحتلال، والعودة لتوازنات وملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. وهو ما جاء ارتباطًا بنتائج الصراع الحامي الذي جرى خلال الفترة الماضية على أرض العراق وبشأنه وعلى صعيد الإقليم في سوريا والخليج بين الطرفين.

لكن كيف حدثت تلك العودة؟ تتكاثر الأنباء والتسريبات حول تسوية واتفاق بين أمريكا وإيران في الإقليم، جاء ضمنها تشكيل الحكومة. لكن الأهم هو أن ما حدث على أرض العراق خلال الفترة الماضية هو ما أوصل إلى تلك التسوية. لقد انتجت فترة الصراع الحامي ظرفًا أعاد الدولتين للمعادلة القديمة. كانت إيران قد حققت تقدمًا على حساب الطرف الأمريكي في الانتخابات الماضية بإدخال ميليشياتها إلى العملية السياسية وزيادة تحكمها في سلطة القرار. أصبحت الميليشيات الإيرانية طرفًا فاعلًا في إدارة العملية السياسية والقرار على الأرض. وهو ما واجهته أمريكا بتوجيه ضربة قوية ومربكة عبر اغتيال قاسم سليمانى ورجل إيران الأول أبو مهدي المهندس. ووفق معطيات الصراع عادت لعبة التوازن إلى سابق عهدها فكان أن جاء الكاظمي وإعادة إحياء حالة الاحتلال المشترك. وفي أهداف التوافق عليه بالدرجة الأولى هو استيعاب حركة الثورة ومنع تحولها إلى ثورة شاملة تطيح بالاحتلال بكل صنوفه.

لكن المدقق، لا شك يصل إلى نتيجة مؤداها أن هذا التوافق وضعية قصيرة الأجل، وأن تلك الحكومة لن يكتب لها البقاء لفترة طويلة، سواء لأن الصراع الإيراني هو حالة عامة في الإقليم وملفاته كثيرة ومتعددة، أو لأن الأمر الضاغط فيما تم التوصل إليه يتعلق بظروف الانتخابات الأمريكية وحالة الحصار الأمريكي على إيران، وكلاهما مرتبط بنتائج الانتخابات، سواء عاد ترامب للحكم أو جاء بايدن الديموقراطي فترامب لن يقبل باستمرار الحالة المؤقتة وبايدن سيغير المعادلات.

مقالات متعلقة