الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية حكومة الكاظمي بين وعود الإصلاح والتسويق الاعلامي وإمكانية التطبيق


بواسطة مركز راسام

حاتم كريم اللاحي

يبدو بأن الضجة الاعلامية التي أثارها الكاظمي عند مجيئه الى السلطة بحصر السلاح بيد الدولة واستعادة السيادة قد انتهت، بعد إن عجزت الحكومة على أيقاف صواريخ الكاتيوشا التابعة لكتائب “ميليشيا حزب الله العراق”، وما جرى من حادثة “الدورة” تكشف بدقة عدم قدرة الحكومة على استعادة قرارها السياسي والامني، الذي سيطرت عليه الميليشيات التابعة لإيران منذ زمن بعيد وتحكمت في مجريات المشهد العراقي حسب مصالحها الضيقة، وأخراها اطلاق سراح المجموعة التي ضبطت بحوزتها قواعد وصواريخ كانت معدة للإطلاق على مباني حكومية وأجنبية، وليت المشهد أنتهى هنا، بل تم تصويرهم وهم يدسون بأقدامهم صورة القائد العام للقوات المسلحة، وأطلقوا الكثير من التهديدات ونعتوه “بالمسخ”، بل والادهى من ذلك أنهم قاموا بتطويق مقرات تابعة لجهاز مكافحة الارهاب في “المنطقة الخضراء” وفي منطقة “الجادرية”، لتصل الصورة كاملة بأن الذي يتحكم بالمشهد العراقي والسياسي والامني هي الميليشيات التابعة التي تعتبر نفسها فوق الدولة والقانون.

لقد كشفت مجريات الاحداث بأن التصعيد العسكري الذي قامت به الميليشيات بقيادة وأشراف قائد “كتائب ميليشيا حزب الله العراق” ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “عبد العزيز المحمداوي” الملقب “بأبو فدك” بعد حادثة “الدورة” قد تم احتواءه، بعد أن فشل رئيس الوزراء بإصدار أمراً الى القائد العسكري المسؤول عن حماية المنطقة الخضراء بمواجهة هذه الميليشيات واتخاذ الاجراءات اللازمة ضدها، بعد أن رفض وأعتذر الاخير عن تنفيذ الامر الصادر له من قبل القائد العام للقوات المسلحة، مما أضعف موقف “الكاظمي” وجعله يعيد حساباته بسرعة، بعد أن تفاجئ بالواقع المرير للأجهزة الامنية والعسكرية في حكومته، وأرعبه التصعيد العسكري الذي قامت به الميليشيات التابعة لطهران، مما دفعه أضطره للتراجع، الامر الذي جعله يطلب الدعم من رئيس الوزراء السابق “المالكي”، الذي تدخل لاحتواء الموقف مع قادة الميليشيات بحكم العلاقة المتينة بينهما، وبنفس الوقت تم اتخاذ اجراءات للتخفيف من حدة التوتر، فتم تسليم المجموعة المؤلفة من(14)شخص ينتمون لميليشيا كتائب حزب الله العراق الى المنظومة الامنية للحشد الشعبي، في خطوة للحد من التصعيد، ثم تم تحويل الموضوع الى اللجنة التحقيقية التي تم تشكيلها والتي أحالتها للقضاء، ليتم أطلاق سراحهم رغم الاسلحة التي ضبطت معهم، حيث أظهرت هذه العملية ضعف وعجز حكومة الكاظمي عن تنفيذ وعوده بحصر السلاح بيد الدولة واستعادة السيادة، التي لن تسلمها الميليشيات بهذه السهولة التي يتوقعها الكاظمي، ويجب على الحكومة أن تتعامل على هذا الاساس، كما أثبت هذه العملية لرئيس الوزراء مدى اختراق الميليشيات للأجهزة الامنية والعسكرية.

إن التغيرات التي أجراها الكاظمي في المناصب والمواقع العسكرية والامنية في وزارة الدفاع والداخلية بعد حادثة اغتيال “الهاشمي” لا قيمة لها على المستوى الاستراتيجي العسكري، كونها تأتي كردة فعل على أخفاق كبير في الملف الامني والعسكري، بعد أن أظهرت الاحداث الضعف الكبير لهذه الاجهزة التي تعاني من أشكال كبير في تشكيلها، وتنظيمها، وعقيدتها العسكرية، وإن لدى الكثير منها ولاء مزدوج، على مستوى الافراد والقيادات، وقد ظهر ذلك جلياً في تصرف القائد المسؤول عن أمن المنطقة الخضراء، الذي فشل رئيس الوزراء في نقله أو أقالته لتدخل بعض القيادات السياسية، وهنا لا بد لنا أن نشير بأن الخلل الحقيقي ليس على المستوى القيادات فقط بل على مستوى المنتسبين أيضاً الذين تم تجنيدهم من قبل هذه الميليشيات، كما إن الحكومة سبق وإن تراجعت عن موقفها في حوادث كثيرة ومنها حادثة فتح مقر “ميليشيا ثأر الله” في مدينة البصرة، ثم جاءت حادثة الاغتيال “الهاشمي” بسبب مواقفه الداعمة لحكومة الكاظمي ضد الميليشيات، لتبين بدقة مدى قدرة الميليشيات وضعف الحكومة وأجزتها الامنية في مواجهتها، جميع هذه الحوادث أوصلت رسالة واضحة للعديد من الاطراف الداخلية والخارجية، بأن حكومة الكاظمي هي الاضعف في المعادلة العراقية ، وأنها عاجزة وغير قادرة على حماية مقراتها الحكومية، والمقرات الدبلوماسية الاجنبية، بالإضافة الى الشخصيات التابعة لها في بغداد، من سطوة هذه الميليشيات وهيمنتها، كما أنها أظهرت الميليشيات بأنها أكثر جرأة وهيمنة وسيطرة من الاجهزة الحكومية، ورسالتها تقول: بأنها تستطيع الوصول الى كل من يقف بالضد منها ومن مواقفها، وكل صوت يمكن أن يعلو ضدها أو ضد نفوذها أو ضد النفوذ الايراني في العراق فهو في خطر داهم، ولن تستطيع حكومة الكاظمي أن تقدم له الحماية، وبنفس الوقت هي رسالة للولايات المتحدة الامريكية تقول بأنها هي التي ستحدد الوجهة المستقبلية للعراق، وأنها رقم صعب في المعادلة العراقية لن تستطيعوا تجاوزه، وأنها تستطيع الوصول الى كل شخصيات المحسوبة على نفوذها في العراق، بما فيهم رئيس الوزراء الذي فشل في حماية القوات الامريكية في العراق، رغم تعهده بذلك في الحوار الاستراتيجي الذي جرى في حزيران الماضي، وإن لا صوت ولا كلمة تعلو فوق صوت صواريخ الكاتيوشا التابعة لهم.

لقد سمعنا الكثير من التهديدات والتصريحات في الفترة الماضية، على لسان رئيس الحكومة، وعلى لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة، وعلى لسان مستشار رئيس الوزراء، بأن الحكومة ماضية في حصر السلاح بيد الدولة، واستعادة السيادة، والسيطرة على المعابر الحدودية، وأكثروا من التهديد والوعيد ولكنها لا زالت أقول لم تقترن بأفعال تذكر، لذا فهذه تصريحات لا قيمة لها، كونها لم تقترن بأفعال ملموسة على أرض الواقع يريدها ويدعمها الشعب العراقي، لذا فهي جعجعة فارغة للتسويق الاعلامي ليس ألا، واليوم تعلن حكومة الكاظمي عن انطلاق عمليات عسكرية أطلقت عليها تسمية “أبطال العراق” (المرحلة الرابعة)، ضد تنظيم الدولة في “ديالى” تشمل الشريط الحدودي مع ايران، وإن هناك توجيهات من قبل الكاظمي للقوات الامنية بأطلاق النار بحق المتجاوزين على “معبر مندلي” الذي تم تسليمه لقوات الرد السريع في وزارة الداخلية كما صرحوا بذلك، وأضاف بأنه لن يسمح بسرقة المال العام في المنافذ الحدودية، وإن مرحلة إعادة النظام وفرض القانون قد بدأت، وهنا نقول يا رئيس الوزراء انت تحذر من سرقت المال العام الان والذي سرق في الفترة الماضية هل يترك، أم ماذا؟، كما أنك يا رئيس الوزراء غير قادر على فرض القانون والنظام في العاصمة “بغداد” فكيف لك أن تفرض القانون وتعيد النظام على الحدود العراقية- الايرانية؟، وكيف لنا أن نصدق ذلك؟، ومن هي القوات التي ستقف بوجه الاحزاب والميليشيات المتورطة بالفساد؟ علماً أنها هي نفسها من تستغل هذه المنافذ؟ وإن فعلت هذه الخطوة الان فستتراجع عنها بعد ذلك يا رئيس الوزراء كما عودتنا، تتخذ القرار ثم تتراجع عنه، ورأينا قبل أيام كيف قامت ميليشيا “كتائب حزب الله العراق” باعتقال مدير منفذ القائم الحدودي مع سوريا وسط صمت مطبق من قبل وزارة الداخلية العراقية ؟!فأين الحكومة من ذلك؟، وهنا سؤال أخير هل فرض القانون الذي تتكلم عنه مشمولة به الميليشيات التابعة لإيران؟، أنا أشك في ذلك!.

أن التغيرات التي أجراها الكاظمي في المناصب الامنية والعسكرية تعطي صورة واضحة بأن النفوذ الايراني يتمكن بصورة أكبر، وخاصة في المفاصل الحيوية للدولة، فعندما يتم تنصيب وزير الداخلية الاسبق “قاسم الاعرجي” مستشار لرئيس الوزراء لشؤون الامن الوطني، وهو ينتمي “لمنظمة بدر” وأحد ضباط الحرس الثوري الايراني، فأعتقد بأن النفوذ الايراني يتمكن بشكل أكبر، ولا اٍستبعد بأن هذه المناصب أسندت لهؤلاء القيادات من قبل الكاظمي لخفض وتيرة التصعيد وتهدئة الاوضاع المستعرة بين الطرفين، ليثبت لهم بأنه ليس ضدهم، وكذلك بالنسبة لتعين “الفريق عبد الغني الاسدي” رئيساً لجهاز الامن الوطني حسب الامر الديواني الرقم(96)في4/ تموز الجاري، خلفاً “لفالح الفياض” الذي كان يشغل مناصب متعددة منها مستشاراً للأمن الوطني، ورئيس جهاز الامن الوطني منذ عام2014، ورئيس هيئة الحشد الشعبي منذ عام2018، وقد صرح الكثير بأن هذه الخطوة هي لتقليل النفوذ الايراني على القرار الامني، والسياسي، والاقتصادي، وهنا نقول بأنه لو تم تعين شخصيات بعيدة عن النفوذ الايراني فعلاً لصدقنا هذا الاجراء وهذا التحليل، ولكنهم جاءوا بشخصيات معروفة التوجه والانتماء، فمن يريد استعادة السيادة لا يقوم بتسليم مناصب أمنية وسيادية لهم، لذا فمن يظن أن هذا التغير في المناصب القيادية سيغير شيء في المشهد العراقي فهو واهم جداً وعليه أن يعيد حساباته، كما فعلت “الجبهة الوطنية للإنقاذ والتنمية” التي كانت تدعم الكاظمي بقوة في خطواته، ولكنها اعترضت على التغيرات الاخيرة وخاصة على الالية التي اعتمدها الكاظمي في أجرائها، وكذلك “الجبهة السنية” التي ذكرت الكاظمي “بمبدأ التوزان” في اسناد المناصب الامنية المهمة في الدولة.

لاشك أن حكومة الكاظمي تمر بمخاض صعب ومعقد، وتواجه ازمات حادة وضاغطة على جميع المستويات السياسية، والامنية، والاقتصادية، وصحية، والتحدي الاكبر هو في كيفية التوصل لتوافقات سياسية داخلية جامعة حول قضايا مهمة ومصيرية، ومنها كيفية أيجاد نوع من التوازن في العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية وايران، رغم ميوله لواشنطن وتعهده بحماية المصالح الأميركية في العراق، ألا إن حكومته لا زالت غير قادرة على تنظيم العلاقة مع ايران كدولة، لذا يشعر بأنه بحاجة للوجود الأجنبي في العراق لبعض الوقت، الامر الذي يحتاج الى قرار سياسي قوي، قد تتفرد به حكومة الكاظمي به ولكن هذا القرار سيسبب لها تداعيات خطيرة على المستوى الامني والسياسي كما حصل في الفترة الماضية، لذا أرى بأنه يسعى لكسب جهات سياسية قوية تكون داعمة له في خطواته المقبلة ضد المليشيات التابعة لإيران، ومنها “التيار الصدري” والفصائل التابعة للمرجعية، رغم أنها لا تتفق مع رؤية الكاظمي ببقاء القوات الاجنبية في العراق وتؤيد خروجها، كما أنه يسعى مع جهات سياسية داعمة لها مثل “تحالف النصر” بزعامة “حيدر العبادي”، و”تحالف عراقيون” بزعامة “عمار الحكيم”، لبناء ونسج تحالفات تكون قادرة على مواجهة النفوذ السياسي للميليشيات في البرلمان العراقي.

إن موقف الكاظمي حقيقة صعب جداً وخيارته ليست كثيرة خاصة مع اقتراب زيارته لواشنطن لاستكمال الحوار الاستراتيجي، رغم قناعة واشنطن بضعف حكومة الكاظمي وعدم قدرته على مواجهة الميليشيات، الامر الذي وصفه قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال “كينيث ماكينزي” أنه يسير بحقل الغام ويجب مساعدته، وهنا نرى بأن الاجراءات التي قامت بها القوات الامريكية تدل على أمرين هامين هما: الاول ضعف حكومة الكاظمي وعدم قدرتها على الايفاء بوعودها بحماية القوات الامريكية، والامر الاخر الاعتراف بأن الميليشيات أصبحت خارج القانون وفوق سلطة الدولة، وهذا ما جعلها تتولى مسؤولية الحماية الذاتية لقواتها ومقراتها الدبلوماسية في بغداد والمناطق الاخرى، على عكس ما تم الاتفاق عليه في الحوار الاستراتيجي، وقد استخدمت لذلك ” منظومة “سنتوريون C –RAM” وهي منظومة متكاملة قصيرة المدى ومضادة للصواريخ “كاتيوشا” وقذائف المدفعية و قذائف الهاون، ومزودة برادار متطور مع خاصية البحث المتقدم، حيث تضم تكنولوجيا لكشف الهدف وملاحقته، ومدمج معها نظام استشعار و انذار مبكر، مما يوفر مظلة حماية كاملة للمنطقة المراد الدفاع عنها” وبهذا يكون استخدام القوة المميتة لمن يحاول الاقتراب من هذه القواعد الامريكية أمر مباح للقوات الامريكية، وهذا ما يجعل الوصول الى هذه القواعد صعب جداً، كما قامت القوات الامريكية حسب طلب الحكومة العراقية بأنهاء مهام الفريق الامريكي للمهام المشتركة(القتالية)،والذي كان لديه الصلاحية بالتدخل وتنفيذ المهام القتالية، وتحويل مهامه الى دور استشاري فقط، لتخفيف الضغوط على الكاظمي، الذي تعاني حكومته من فقدان القرار السياسي بسبب التدخلات الخارجية، الذي تسببت في تقسيم الساحة العراقية بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك، وستبقى الكلمة الفصل لمن يمتلك القوة بعد أن غاب القانون والقضاء، وأصبح العراق يقاد من قبل قوى تابعة لأجندة خارجية.

مقالات متعلقة