الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الوعي الشعبي في مواجهة طائفية السلطة


بواسطة مركز راسام -

شاهو القره داغي

يعتبر التنوع العرقي والطائفي و الديني من طبيعة المجتمعات البشرية و مؤشراً على ثراء المجتمع و قدرته على التسامح و التعايش و إدارة العلاقات بين الجميع. وعلى الرغم من المشاكل و الصراعات التي قد تحدث بين الطوائف و المجموعات العرقية والثقافية المختلفة في الدولة الواحدة ، إلا أن الدولة قادرة على إدارة التنوع في المجتمع و معالجة المشاكل و بناء الأمة الواحدة و إنهاء الانقسامات وبناء أهداف مشتركة لكل أبناء الوطن بعيداً عن المصالح الضيقة و الحس الطائفي الذي يؤدي الى إنهاك الجميع و فقدان الأهداف وإضعاف الدول و تفكك الأمم.

تاريخياً هناك العديد من النماذج الناجحة لإدارة التنوع العرقي والطائفي، في ظل قيادات حقيقية حملت مشروعاً نهضوياً بعيداً عن العُقد النفسية و العقلية الطائفية و الأحقاد التاريخية. ولعل التجربة الاندونيسية من أبرز التجارب الناجحة في هذا المجال، حيث تضم البلاد ما يربو على 3 آلاف مجموعة عرقية و أكثر من 300 لغة و لهجة مختلفة ، بالإضافة إلى تواجد معظم الديانات التي عرفتها البشرية.

هذا التنوع الكبير في المجتمع دفعت السلطات السياسية منذ الاستقلال عام 1945 إلى تبني شعار (الوحدة في التنوع) لدعم الاندماج في مجتمع متعدد الثقافات، وكانت الأداة المستخدمة هي التركيز على وجود الميراث الثقافي والتاريخي المشترك بين كل الاندونيسيين، والتغاضي عن الاختلافات الاجتماعية و الدينية في سبيل الحفاظ على هذا الإرث المشترك. ويعود الفضل في نجاح هذه الرؤية إلى الرئيسين (سوكارنو و سوهارتو) حيث وجهوا العرقيات المختلفة في البلاد إلى تحقيق هدف واحد وهو التنمية الاقتصادية المستقرة في البلاد.

تجربة اندونيسيا و سنغافورة و رواندا و العديد من التجارب الأخرى في العالم، تؤكد أن السلطة السياسية قادرة دائماً على بناء اهداف مشتركة للشعب الواحد و حماية خصوصيات كل المكونات و إقناع الجميع بالركوب في سفينة واحدة نحو مصير مشترك و الاتحاد لتحقيق النمو و التطور و الازدهار. ولكن في ظل غياب رجال الدولة و السلطة السياسية الواعية ستكون النتائج مأساوية وستنتشر الانقسامات و الصراعات بين الأعراق والطوائف وكل طرف سيتمسك بمصالحه وينعزل على نفسه بعيداً عن الآخرين .

في العراق – بعد عام 2003 – لم نشهد سلطة سياسية واعية و أحزاب وطنية تعمل على إدارة التنوع العرقي والطائفي بصورة ناجحة لتطوير البلاد، بل على العكس تماماً، فإن الطبقة السياسية هي التي حاولت ترسيخ الطائفية و الانقسامات في المجتمع العراقي و استغلت وجود هذه النعرات الطائفية لتحقيق المصالح الحزبية و الشخصية مما أدى الى إضعاف الدولة و غياب مفهوم الأمة الواحدة طوال السنوات الماضية .

كلما حاول العراقيون أن يخرجوا برؤية موحدة و أهداف مشتركة و صوت واحد ، كانت الأحزاب السياسية لهم بالمرصاد، في محاولة لإعادة الروح إلى جثة الطائفية لإشغال المواطن العراقي بالخلافات الجانبية و منعه من تشكيل كتلة تُطالب بحقوقها المشروعة .

مظاهرات تشرين/أكتوبر الماضي فتحت صفحة جديدة في تاريخ العراق. حيث سار الجميع نحو اهداف مشتركة و رؤية واضحة تقوم على نبذ الطائفية و إعادة ترسيخ الوحدة بين مكونات الشعب العراقي مؤسسين كتلة جماهيرية باتت تُشكل خطرا حقيقيا على البنية الطائفية التي تم تأسيسها من قبل الأحزاب السياسية بدعم إقليمي و دولي. ومنذ اليوم الأول للمظاهرات حاولت السلطة السياسية في العراق إضعاف هذا الحراك المميز و النادر عن طريق التركيز على المحاصصة الطائفية وحقوق المكونات و تغذية وسائل الاعلام بالخطابات الطائفية و إعادة صفحات الماضي و إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بسبب ارتباط المصالح الحزبية و الاجندة الخارجية بالمحاصصة الطائفية التي دمرت حياة المواطن العراقي و اعادته إلى العصور المظلمة .

عندما ظهرت قوائم رسمية صادرة عن وزارة الدفاع مبين فيها اسم المذهب امام المقبولين في الدورة العسكرية و الاحتياط – والتي كانت منحازة بوضوح لطرف معين – شعر المواطنون باليأس و الإحباط من النخبة السياسية التي مازالت تتمسك بالأسس الطائفية ولم تتعلم من تجارب الماضي و المصائب التي حلت بالعراق. فالوعي الشعبي قد تجاوز موضوع الطائفية و أصبح يبحث عن أسس مشتركة و رؤية موحدة ، في مواجهة النخبة السياسية الحاكمة التي تتمسك بالطائفية لأنها طوق نجاة الفاسدين في ظل الفشل و الانهيار المستمر.

من الواضح أن الطائفية المدعومة من قبل النخبة السياسية و التي ترعاها جهات إقليمية ودولية وتغذيها وسائل اعلام محلية ، لا يمكن ان تختفي أو تتراجع بمجرد نضوج الوعي الشعبي و المطالبات الجماهيرية ، بل يتطلب الامر – بالتزامن مع ذلك – التخلص من هذه العوامل و العناصر التي تحمي مصالحها و نفوذها عن طريق إدامة الطائفية و ترسيخها في المجتمع العراقي.

ورد في تقرير بعنوان “مكافحة الطائفية في الشرق الأوسط” لمركز راند للدراسات أنه ” من الممكن للنخب السياسية أن تعزز الطائفية و أن تعيقها على حد سواء. فقد اتضح أن دور القادة السياسيين أساسي في جميع الحالات، بالطريقتين الإيجابية و السلبية على حد سواء أيضا. إذ يمكن للنخب السياسية التي تعتمد على أنظمة المحسوبية ولا سيما من مصادر خارجية، أن تعزز الطائفية وتحبط التعاون العابر للطوائف، وعندما تفقد هذه النخب المشروعية وتعجز عن تلبية متطلبات دوائرها الجماهيرية، قد تُتاح فرصة مواتية لقادة بديلين ولحركات بديلة تعمل على أجندات غير طائفية “.

تجربة العراقيين خلال السنوات الماضية ساهمت في إنضاج الوعي و التفكير في مجال أوسع خارج الإطار الضيق الذي صنعه السلطة لكل مكون و طائفة ، وفي المقابل تقوم السلطة السياسية المتمثلة بالأحزاب الموالية لإيران بالتجديف عكس التيار و تُحارب بكل قوتها و إمكانياتها لبقاء الطائفية لضمان إضعاف المجتمع وحماية نفوذها ومصالحها، وهذا التحدي الأبرز الذي يواجه مسيرة البناء و التقدم و التسامح مثل باقي الأمم التي حققت أهدافها خلال فترات قياسية بسبب الانسجام الموجود بين الشعب و السلطة ، بينما في العراق تُعرقل السلطة الطائفية كل الحلول و الأفكار الوطنية التي تسعى لإحداث تغيير مستقبلي يخدم الأجيال القادمة و يضمن عدم تكرار الأخطاء و المآسي التي وقعت في زمن الاحتلال.

على العراقيين أن يُدركوا أن مسيرة التغيير و تحقيق التعايش والتسامح و تحقيق الأهداف المشتركة بحاجة إلى جهود فاعلة بين الافراد و المؤسسات المستقلة و المنظمات الهادفة التي تملك إرادة حرة و رؤية واضحة نحو التغيير في ظل كل العراقيل والعوائق و العوامل الداخلية و الخارجية التي تحاول إثارة المشاكل الطائفية و تقتنص الفرص لإشعال الفتن و الصراعات و الصدام بين المكونات و إضعاف المجتمع و تصفية كل الأصوات الوطنية التي تحلم بالتغيير و المصير المشترك.

وكما يقول ألبير كامو “كل شيء يبدأ بالوعي، ولا قيمة لشيء من دونه” فإن التعويل الرئيسي في هذه المرحلة هو على الوعي الجماهيري و الكشف عن مخططات و مكائد السلطة. لأن الوعي هو الدرع الذي يحمي الشعب من مؤامرات السلطة و محاولاته للتأثير على المواطنين و توجيههم و اللعب في عقولهم لإعادتهم إلى القمقم و بيت الطاعة من جديد .

مقال خاص براسام

مقالات متعلقة