الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات إيران النووية والإدارات الأميركية


فائز السعدون

السياسات التي مارستها الإدارات الأميركية السابقة إزاء إيران ونفوذها المتعاظم في الاقليم وبرنامجها النووي الذي يُلامس حدود العتبة النووية* ستواصلها الإدارات اللاحقة، بصرف النظر عن صفتها الحزبية، لأنها نابعة من أصل ستراتيجي واحد، وهذه ثمرة خبرتنا معهم.

وهذه السطور هي خلاصة هذا المقال.

تبادلت الإدارات الأميركية، الجمهورية والديمقراطية، الأدوار في متابعة سياسات خاطئة، وارتكبت من الخطايا بحق شعوب منطقتنا ما قاد إلى علو شأن "إيران المصدّرة للثورة الطائفية"، ومكّنها- من بين امور أخرى- من الوقوف على حافات العتبة النووية؛ لقد تمت ازاحة العراق، وهو القوة الوحيدة التي كانت تمتلك ما يلزم لكبح جماح إيران، وخاصة بعد حرب الثمان سنوات التي أفرزت وضعاً اقليمياً يميل لصالح العرب تجاه عدوين تاريخيين: (اسرائيل) وإيران.

أعقب ذلك افتعال قضية الكويت وماترتب عنها، وصولاً إلى احتلال العراق وتفكيكه كدولة فاعلة، مروراً بتدمير بنيته التحتية عام 1991 على يد ادارات جمهورية (بوش الأب وبوش الابن) وديمقراطية (بيل كلنتون) لتظهر إيران قوة اقليمية بنفوذ يتمدد، وبمشروع نووي متقدم ذي جوانب عسكرية مؤكدة.

لم تكن أي من الإدارات تجهل احتمالية حصول هذا المآل، فهو نتيجة مرجّحة الوقوع ومدرجة في جميع أدلة عمل السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.

لفترة طويلة امتدت منذ 1990 وحتى 2005 تم غضّ النظر عن مساعي إيران لحيازة قدرات نووية بضمنها خبرات وتجهيزات ومواد نووية من مصادر عدة وخاصة الجمهوريات السوڤيتية السابقة، ولم تبذل جهود جدّية لمتابعة هذه المساعي وإحباطها.

عقد الاتفاق النووي عام 2015 في ظروف ذات معطيات محددة، إذ واصلت إدارة أوباما الديمقراطية ادارة الوضع الفوضوي في الشرق الأوسط الذي ورثته عن ادارة بوش الجمهورية، فقد أدّى احتلال العراق إلى تمدد النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق، إضافة إلى وضع اقتصادي كارثي في الولايات المتحدة نفسها، مع توصيات لجنة بيكر- هاملتون (مشتركة بين الحزبين) بانسحاب عسكري كان قيد التنفيذ**، مع احتمال قيام (اسرائيل) بعمل عسكري ضد منشآت نووية إيرانية.

كان (الاسرائيليون) يراقبون البرنامج النووي الإيراني عن كثب وكانوا الأكثر معرفة بتفاصيله، وتوفرت لدى الادارة الأميركية عام 2012 مؤشرات تؤكد أن (اسرائيل) بصدد توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وهذا يعني زجّ أميركا في حرب ليست من اختيارها وفِي وقت غير مناسب، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة واعتبارات ذات طبيعة ستراتيجية بعيدة المدى.

تبنّت الادارة- بعد إيقاف العمل العسكري (الاسرائيلي) المحتمل- سياسة من شقين:

الأول هو تشديد العقوبات على إيران مع موقف دولي مساند لها وخاصة من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند وكوريا الجنوبية،

والثاني فتح قنوات اتصال مباشرة مع إيران بدأت برسائل قام أوباما بتوجيهها إلى المرشد، علي خامنئي، وإلى حسن روحاني بعد انتخابه رئيساً عام 2013، كما فتحت قناة اتصال دبلوماسية من خلال بعثتي البلدين لدى الأمم المتحدة في جنيف.

أثمرت هذه الجهود عن التوصل إلى اتفاق مبدئي يقوم على اساس تجميد البرنامج النووي عند الحدود التي وصل اليها مقابل رفع جزئي للعقوبات.

ودفع الموقف الأميركي أطرافاً دولية أخرى إلى اعتماد صيغة 5+1 مقابل إيران على طاولة المفاوضات لضمان موقف دولي موحد. ثم تواصلت المباحثات وصولاً إلى الصفقة النووية التي نعرفها، والتي مثّلت بديلاً بإجماع دولي عن حرب لابد منها لإيقاف البرنامج النووي الإيراني، لكنها غير مضمونة النتائج، ولها تداعيات غير مرغوبة على مكانة ودور إيران التاريخي في الاقليم والعالم الاسلامي كرمز لأهم صدعٍ في جوهر الاسلام ذاته.

وضعت قيود على أنواع السلاح الصاروخي الذي قد يستخدم في نقل أسلحة نووية، وتم تجنب اي ربط بين الوضع الاقليمي في الشرق الأوسط وبين الصفقة النووية، وهو الأمر الذي مكّن الادارة الأميركية من الإبقاء على العقوبات التي فرضت على خلفيات أخرى غير النشاط النووي مثل الإرهاب أو زعزعة الاستقرار الاقليمي.

اعتبر ترمب، وهو مصيب، الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 غير كافٍ لمنع إيران من صناعة سلاح نووي، وأعلن انسحابه منفرداً منه، وتبنى سياسة الضغوط الاقتصادية القصوى بهدف إيصال إيران إلى حالة من العجز تجبرها على الجلوس إلى مائدة المفاوضات لصياغة اتفاق نووي جديد لم تحدد ملامحه بشكل واضح، ولكن يعتقد المراقبون أن الهدف هو تجريد إيران من قدرات التخصيب الذي يشكّل مصدر قلق (الاسرائيليين)، ويكون الاتفاق شاملاً بحيث يفرض حظراً على أنواع معينة من التسلّح الصاروخي تشكل تهديداً لأمن (اسرائيل) بالتحديد. وقد يشمل الاتفاق قضايا تتعلق بطبيعة أنشطة وانتشار الفصائل المسلحة الموالية لإيران في الاقليم، ويشار باستمرار إلى التنظيمات في المناطق المجاورة لفلسطين المحتلة .

كي تؤتي هذه السياسة أكلها فإنها تحتاج إلى توفر عدد من العناصر واهمها طول الأمد، وعدم وجود بدائل أمام إيران تعوّضها عن خسائرها جراء تدني إيرادات النفط وإغلاق النظام المالي الدولي في وجهها؛ وأن تحظى بدعمٍ من حلفاء الولايات المتحدة؛ كما ينبغي التعامل معها باعتبارها بديلاً عن حرب. اي ان الذهاب إلى حرب يكون محتماً في حال فشلها، لأن إيران تكون- في حالة فشل هذه السياسة- قد قاربت عبور العتبة النووية جراء استئناف أنشطتها النووية في ظل العقوبات، ورداً عليها.

لكن إيران لا تبدو على وشك القبول بالشروط الأميركية رغم ماتوقعه العقوبات الأميركية بها، ويعود ذلك إلى ان سياسة الضغط هذه قد اتخذت بشكل انفرادي، وهي تلقى معارضة أوروبية وروسية وصينية، كما أنها عقوبات تشوبها ثغرات عديدة ومنها بشكل خاص أن موارد دولة مهمة مثل العراق هي في متناول إيران، وما تزال دبي تمثل محطة إعادة تصدير واستيراد رئيسية لإيران؛ إضافة إلى قنوات الالتفاف على نظام العقوبات التي تمارسها قوى اقتصادية كبرى مثل الصين وروسيا وتركيا.

كذلك، يفترض بهذه العقوبات أن تكون محرّكاً لسخط شعبي عام يشكّل ضغطاً يجبر النظام على الإذعان للطلبات الأميركية. لكن تاريخ العقوبات باعتبارها أداة بمفردها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية لايبشر بالكثير، فقد تكون وسيلة مهمة لإضعاف قدرات الخصم، ولكنها لن تسقط نظاماً قوياً له قواعده الشعبية المؤدلجة ذات الامتيازات؛ التجارب في هذا المجال كثيرة.

لا شك أن العقوبات توقع إضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني، ولكنه كما يبدو مازال قادراً على الوقوف على قدميه، خاصة وان معظم الاضرار تطال الشرائح الدنيا اجتماعياً في إيران، وهي شرائح لم تعرف الرفاه يوماً، ويرتبط قسم كبير منها عضوياً وعقائدياً بأجهزة النظام مثل قوات التعبئة (البسيج) والحرس الثوري، كذلك ينبغي أن ناخذ في الاعتبار ان موارد النفط في إيران هي الاقل من حيث نسبتها في الاقتصاد الإيراني مقارنة بدول اقليمية أخرى، وان تنوع هذا الاقتصاد يعطيه مرونة نسبية مقارنة بدول نفطية أخرى، فضلاً عن اللجوء إلى نظام المقايضة والدفع بالعملات المحلية لتغطية جزء من المبادلات التجارية.

إذا ما قدّر لهذه العقوبات أن تؤثر في توازن الوضع القائم داخلياً، إذا طالت وأخذت تشكل خطراً عليه، فمن المرجّح أن تذهب إيران إلى خيار انتاج السلاح كضمانة وخيار حتمي أخير لضمان بقاء النظام. ماتحتاجه إيران هو الوقت؛ فمشروعها النووي العسكري مكتمل الحلقات وإن بدرجات مخفضة، وقد يشكل الملاذ الأخير إذا اقتنع الإيرانيون أن استمرار العقوبات قد يؤدي إلى انهيار مؤكد.

من المرجّح ان تواصل ادارة ترمب ذات السياسة، إذا فاز في الانتخابات القادمة، دون إيصال الموقف إلى حافة الهاوية، وقد نشهد اتفاقاً جديداً مع إيران لن يختلف من حيث الجوهر مع الاتفاق الحالي مع تعديلات تتعلق بالتسلح الصاروخي ومدد النفاذ، ولن يطرأ تحول كبير في الموقف الإقليمي بسبب تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد الأميركي، مما سيدفع ترمب أو خصمه إلى تكريس المتيسر من الموارد لترميم اقتصاد البلاد والتفرغ للمعركة الكبرى مع الصين، واعتقد ان هذا هو توجه المؤسسات.

أزاء الموقف الذي ترتب عن قرار ترمب الخروج من الاتفاق النووي واستئناف إيران أنشطتها النووية التي تضعها على مقربة من العتبة النووية، يطرح المرشح الديمقراطي جو بايدن وهيلاري كلنتون برنامج الحزب الديمقراطي بشأن ذلك من خلال مقالتين نشراها بشكل منفصل في مجلة فورين افيرز.

يتضمن البرنامج الأسس التالية: ان الصفقة النووية لعام 2015 وضعت حاجزاً أمام إمكانية حصول إيران على سلاح نووي، بينما أدى الانسحاب منها إلى عودة إيران لرفع درجة البرنامج؛ وإزاء تفكك الموقف الدولي الموحد الضاغط على إيران فإن مخاطر العودة إلى خيار الحرب قد ازدادت.

يؤكد بايدن أنه غير غافل عن نوايا إيران وسياساتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط وسياسات نظامها القمعية في الداخل، ويعترف بأن مقتل سليماني أزاح عنصراً خطراً لكن ذلك زاد من تصرفات إيران العدوانية في ظل موقف دولي مفكك، وأنه سيعود للانضمام إلى الاتفاق النووي وإلزام إيران بضوابطه مجدداً، مع عمل دبلوماسي منسّق مع الحلفاء لتقوية الاتفاق وتوسيع نطاقه وممارسة ضغط جماعي، مع الحلفاء، للتراجع عن نشاطاتها المثيرة لعدم الاستقرار. فيما عدا ذلك فإن بايدن، إن فاز، سيواجه ضغوطاً داخلية تحدُّ من أية توجهات تؤدي إلى انغماس كبير في منطقة الشرق الأوسط، وفي المحصلة فإن ما سنراه هو سيناريو قريب من سيناريو ترمب مع تغييرات تفرضها شخصية المخرج.

في تقديري المتواضع، ما دام خيار الحرب امراً مستبعداً، بشكل مطلق أو للأمدين القريب والمتوسط، وطالما ان إيران، الرسمية والشعبية، تعتبر برنامجها النووي خطاً أحمراً وحقاً سيادياً وجزءاً من كرامتها الوطنية وأن خيارات الطرف الاخر لن تذهب باتجاه الحرب، فإن المشروع باقٍ كبرنامج سلاح نووي كامن، وما ينقصه هو الوقت إن توفر الحافز، وخاصة إذا كان مصير النظام عرضة لخطر مؤكد بفعل ضغط خارجي؛ لكن إيران قد تقبل تعديلاً للاتفاق النووي، كتمديد فترات نفاذه أو ادخال تفاصيل اضافية حول بعض انواع الصواريخ، وهو أمر لا يمسُّ جوهره، وخاصة إمكاناته المستقبلية الكامنة، ولا ينسى القاعدة المعرفية الخاصة به.

لقد تمت إعادة صياغة النظام الإقليمي من قبل الولايات المتحدة لصالح إيران من خلال إزاحة القوة العربية الوحيدة التي كانت قادرة على مواجهتها، والتي كانت تسبق إيران بمراحل في حقول العلم والتقنية، وتُرك لهذا البرنامج، الإيراني، ما يكفي من الوقت للتراكم المعرفي والمادي إلى الحد الذي اصبحت قضية معالجته، بأية وسائل دون الحرب الشاملة، مهمة في منتهى الصعوبة، ولذلك فليس أمام المجتمع الدولي والنظام الاقليمي من خيارات كثيرة للتعامل معه، وسوف يستمر كعامل أساسي في تعزيز مكانة إيران الاقليمية وزيادة نفوذها في ظل أية ادارة أميركية، جمهورية أو ديمقراطية.

قد نسمع خطابات كثيرة من نوع خطاب "النار والغضب" الذي أطلقه ترمب ضد كوريا الشمالية، وقد نرى عمليات عرض للقوة أو تصفيات لقادة ورموز، ولكن ما نتمنى رؤيته من نزعٍ لقدرات إيران النووية الخطرة قد لا يتحقق في الأرجح.

قد تدخل المنطقة في سباق تسلح نووي، ولكن من المستبعد أن يُسمح للعرب بما تم السماح به لإيران. يبقى العرب رغم كل سياسات التخاذل والتطبيع مع (إسرائيل) هم عدوها الأول، وهم قاطرة العالم الاسلامي؛ إيران وحدها بحكم الواقع الجيوستراتيجي وتراكمات التاريخ هي عامل الانقسام والتفكيك لوحدة هذا الفضاء الممتد من جاكرتا إلى طنجة، وستسعى أية ادارةٍ غربية أو أميركية إلى تعزيز هذا الانقسام وعوامله، وبالتالي فقد ننتظر "غودو" بيكيت الذي لن يأتي، ويتعين عليناـ نحن، أن نحثَّ الخطى نحوه إن لم يكن قد فات الأوان لأي مسعى.

ويبقى السؤال:

هل هنالك قيادات عربية قادرة على المبادرة الذاتية وصياغة موقف عربي في مواجهة التحديات الفارسية والصهيونية والتركية التي تبدو جميعها في أعلى عنفوانها، ولن تنفع في مواجهتها اتفاقات أمنية مع ذات القوى الدولية التي قادتنا إلى مانحن فيه؟!

ملاحظات

*العتبة النووية هي مرحلة من برنامج نووي عسكري تكون خلاله أجزاء السلاح جاهزة، وبشكل خاص القلب النووي المخصّب إلى الدرجة المطلوبة، وقابلة للتجميع عند اتخاذ القرار السياسي بذلك.

** نعرف الآن أن لقاءات إيرانية أميركية (إسرائيلية) كانت تعقد على مستويات عدة لمناقشة ما قد يترتب على احتلال العراق، ونعرف أن إيران كانت على علمٍ بقرار الحرب على العراق قبل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ونعرف أن قواتها دخلت إلى العراق واحتلت شريطاً حدودياً بلغ 40 كيلومتراً في بعض مناطق الحدود تحت ستار ميليشيات عراقية معارضة.

مقالات متعلقة

An internal server error occurred.