الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير إلى عقلاء الكويت: لا تستثمروا في غضب العراق


مصطفى كامل

تمهيد

كلامي اليوم موجه إلى أهل الكويت، وأخصّ بالذكر منهم العقلاء الغيورين على مصلحة ديرتهم ‏ومواطنيهم، وليس إلى الذين يملأون مواقع التواصل الاجتماعي بالصراخ والشتائم والبذاءات وإثارة ‏الأحقاد.‏

إلى العقلاء من أهل الكويت، أهلنا في الكويت.. أوجه لكم كلامي هذا فاسمعوه.

ثلاث حقائق أساسية لابد من الاشارة إليها قبل الدخول في تفاصيل الموضوع..‏

الأولى، إن حديثي معكم اليوم لا يتعلق بأحداث الثاني من آب/ أغسطس عام 1990، ولا يتعلق بغزو العراق عام 2003، لكنه يتعلق بالدرجة ‏الأولى بنتائج ترتّبت على هذين الحدثين اللذين طبعا علاقة مواطني العراق والكويت بطابع خاص في ‏العقود الثلاثة الأخيرة.‏

الثانية، إن حديثي اليوم جاء بعد مناقشات مستفيضة مع عقلاء في الكويت، من مختلف التيارات ‏السياسية، وبأعمار متفاوتة، واهتماماتهم العملية مختلفة. أي إنهم شريحة مهمة يمكن التفاهم معها.‏

الثالثة، إن اندلاع ثورة تشرين المجيدة في العراق، في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وظروف ما بعد تفشي فايروس كورونا أرجأت جهود ‏عقلاء في العراق والكويت للبدء بحوار حقيقي ينطلق من رغبة صادقة في رؤية مستقبل أفضل ‏للعراقيين والكويتيين، ولجيرانهم.‏

والآن لنتحدث في صلب موضوعنا..‏

شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في سخونة العلاقة بين العراق والكويت، وكان أهم عناوين هذا ‏الارتفاع مشاريع كويتية تتعلق بالربط السككي بين ميناء مبارك الكبير ودول مجاورة، وقضايا تتعلق ‏بترسيم الحدود وأخرى ذات صلة بخور عبدالله وميناء الفاو الكبير وأم قصر وخور الزبير وغير ذلك.‏

واللافت في هذا كله أن الذي تصدى لهذه الملفات هم شباب ثورة تشرين الذين يمثلون وجهاً عراقياً أصيلاً ‏جديداً واعياً بعيداً عن التحزّب والطائفية التي طبعت العراق منذ احتلاله، وهم جميعاً لم يعرفوا ما حدث في الثاني من آب/ أغسطس ‏عام 1990 ولا الخلفيات والدوافع التي أدّت إليه، وغالبهم لا ينتمون إلى حزب البعث العربي ‏الاشتراكي، وبعضهم لا يدين بالولاء للرئيس صدام حسين بل أن كثيراً منهم لم يكونوا ولدوا قبل احتلال ‏العراق أصلا.‏

وهذا يعني أن المشاكل الكويتية ليست مع نظام "البعث" ولا مع الرئيس صدام حسين وليست مرهونة بما ‏حدث في عام 1990، وانما مع شعب العراق كله ولها أبعاد أعمق وأوسع.‏

يعكس بيان ساحات المظاهرات الموحّد الصادر مؤخراً باسم كل المدن الثائرة، يعكس لأول مرة في ‏تاريخ العلاقات العراقية الكويتية حقيقة أن الكويت تتعامل مع شعب العراق بشكل مباشر وليس مع ‏حكومة أو سياسيين تستطيع شراءهم، ومن هنا يتوجّب على الكويت وعقلائها تحديداً التفكير جيداً في ‏هذا الحقيقة الجديدة واستيعابها والتعامل معها بالفهم الصحيح وبالقدر الذي تستحقه من الجدية ‏والأهمية.‏

وعلى العقلاء في الكويت أن يفهموا حقيقة أن مجلس الامن غير مخوّل باستقطاع أراضي دولة ما ‏وإعطائها لدولة أخرى، فهذه قضايا تناقش ثنائياً ويتفق عليها بشكل مشترك بين البلدين المعنيين، ‏وموضوع ترسيم الحدود بين العراق والكويت، الذي حدث عامي 1993 و 1994، كان أول موضوع يناقشه مجلس الامن وهو الأخير، ولكن ‏لن يدوم ما تقرر فيه إلى الأبد.‏

كما أن مشكلة خور عبدالله وخور الزبير وقضايا الربط السككي والأراضي التي أعطاها مجلس الامن ‏للكويت ومنها الجزء الجنوبي من حقل الرميلة والجزء الجنوبي من ميناء أم قصر والحدود البحرية وقاعدة أم قصر البحرية وغير ‏ذلك، كلها ألغام في العلاقات بين البلدين، وإذا كان حصل ما حصل بين العراق والكويت عام 1990 ‏ولم تكن هذه المشاكل موجودة، فكيف سيكون الحال في المستقبل مع هذه المشاكل المستحدثة؟

وللأمانة نقول إن إصرار بعض المسؤولين في الكويت على ربط موضوع رفع الحصار عن العراق ‏خلال عقد التسعينات من القرن الماضي بشرط تعجيزي يتعلق بحل مشكلتي المفقودين، مفقودين وليسوا أسرى، والوثائق لا ‏يعبر عن ذكاء وانما عن غباء سيدفع ثمنه في المستقبل أطفال الكويت الذين سيجاورون أطفال العراق ‏الذين عانى آباؤهم في السابق، بحصار ظالم كانت حكومتكم تعمل على تشديده، ويعانون الآن بتصرفات حكومتكم في اقتطاع أراضيهم وخنق مياههم وغير ذلك.

لقد تسلّمت الكويت تعويضات خيالية اقتطعتها على طريقة المرابي اليهودي شايلوك من لحم العراقيين ودمائهم، ‏وما تزال تفعل، وأعطت مبالغ خيالية لأفراد وجهات لا يستحقونها وهذه من الألغام التي يمكن أن ‏تنفجر بوجه الكويتيين في أية لحظة مستقبلية.‏

وعلى عقلاء الكويت أن لا ينسوا أن مساهمة حكومتهم في غزو العراق عام 2003 ستصيب الكويتيين بمقتل، نعم كان احتلال العراق للكويت عام 1990 عملاً غير مشروع بموجب القانون الدولي، ودفع العراق ثمناً باهضاً ومبالغاً فيه كما قلنا في أعلاه، وهذه العقوبات الظالمة على العراق خلقت سابقة في العلاقات الدولية، أو على الأقل في العلاقات العراقية- الكويتية، فعندما تضع الكويت أرضها ومواردها منطلقاً لغزو غير شرعي، بموجب القانون الدولي، للعراق عام 2003، فالمفروض أن تدفع نفس الثمن الذي دفعه العراق، إن لم يكن أكبر، مقارنة بفترة الاحتلال والتدمير المصاحب له، ومن ذلك أن تدفع التعويضات للعراقيين وأن يعاد تخطيط الحدود وأن يحظر عليها فئات محددة من الأسلحة وأن تسمح للأمم المتحدة بالبحث عن المفقودين العراقيين على أراضيها وأن تعيد الأرشيف العراقي والآثار العراقية التي سرقتها أو تعوّض ما أحرقته عصاباتها عن عمد وبسابق تخطيط، وهذه الطلبات هي أقل مما فرض على العراق، لأن العراق يؤمن باستراداد الحقوق لا الانتقام، وإلا لطالب بفرض حصار شامل على الكويت، أو على الأقل قام هو بهذا الحصار واستخدم قواته لتنفيذه كما فعلت الكويت عندما كانت تصادر شحنات القمح المرسلة إلى العراق عبر الخليج العربي.

وعلى الكويتيين ومن يدافع عن غزو العراق أو يربطه بموضوع احتلال الكويت عام 1990، أن يتذكروا أن الولايات المتحدة وحلفاؤها غزوا العراق تحت ذرائع كاذبة ليس من بينها الربط مع قضية احتلال الكويت، وبعبارة أوضح أن واشنطن ومن تحالف معها لم تستخدم ذريعة (الغزو العراقي للكويت) لمهاجمة العراق وغزوه واحتلاله، فلماذا وضعت الكويت الرسمية نفسها في موضع الاعتداء على العراق؟!

وعلى الكويتيين، وجميع جيران العراق، أن يتيقنوا أن الساسة المتحكمين بالعراق في هذه المرحلة، ‏وتحديداً الذين اشترتهم الكويت أو استخدمتهم إيران، زائلون، فالمستقبل بيد شباب ساحات الثورة، وليس ‏بيد أنفار باعوا ذممهم وسيبصمون على بيع أراضي العراق، أو بيد ميليشيات ما تزال الكويت الرسمية ‏تمنحها أسباب الحياة والدعم. وبيان شباب الثورة الأخير بشأن الكويت خير دليل على ذلك. ‏

إنني أقدم لعقلاء الكويت نصيحة صادقة من قلب العراق، هي مفتاح حوار بناء كان مزمعاً بين من أشرت إليهم في ‏مقدمة حديثي، نصيحتي تقول: إن العراق والكويت، أرضاً وشعباً، جاران منذ الأزل وإلى الأبد، لن يزول أحدهما مهما ‏حدث، فلا العراق سيحزم حقائبه يوماً ما ويرحل، ولا الكويت ستفعل، وشعب العراق لن يتنازل عن ‏حقوقه وسيادته ومصالحه مهما كانت الظروف والعوامل، ولن يستطيع مرتزق أو تاجر أو عميل تجاوز ‏هذه الحقيقة.

وعلى العقلاء في الكويت، وأعتقد أنهم كثر، أن يفهموا أن استمرار خنق العراق لن ‏يوفّر لهم أمناً ولن يحقق لهم استقراراً ولا تقدماً، فشعب العراق لن يقبل باستمرار خنقه.

وعليهم أن يأخذوا موضوع العلاقات الدولية باعتبارها عوامل ‏متغيرة وليست حقائق ثابتة، وأن الأطفال الذين يعانون الآن سيتعاملون مع أطفالكم كرجال في ‏المستقبل، وإن التعويل على ضعف العراق وخيانة المسؤولين فيه الآن لن يجدي نفعا، وأن الاستثمار في ضعف العراق، أو إضعافه بالأحرى، ليس في مصلحة الجميع، ولن يحقق أهداف الكويت في الأمن والاستقرار، فكم مرة احتلت ‏هذه البلاد وخرجت أقوى، وإن أولئك الذين ارتضوا بيع أجزاء من أرض العراق في لقائهم الأخير مع ‏مسؤوليكم، كما تفصح هذه الخريطة المرفوعة في وزارة خارجيتكم، والمنشورة مع مقالنا هذا، والتي تقتطع فيها حكومتكم نحو ‏ثلث محافظة البصرة لا يمثلون شعب العراق، ولن يقدموا لكم أمناً ولا مستقبلاً مستقراً، فهم لم يوفروا ‏لأنفسهم ذلك، وهم يقيناً إلى زوال، قريباً بحول الله.‏

إنني إذ أتوجه بندائي هذا، آمل من العقلاء الذين أعرفهم، أو الذين أثق بوجودهم في الكويت، أن يتأملوا ‏في مجريات الأحداث التي قام بها محسوبون على الكويت بعد غزو العراق، وكيف دعموا عصابات ‏السرقات والحرائق والفجور والإرهاب في كل العراق وفي جنوبه خاصة، وأن يستخلصوا من أحداث آب/ ‏أغسطس 1990 العبر والدروس التي تنفعنا جميعاً بعيداً عن الثارات والأحقاد، فهذه نيران لو استمر ‏إشعالها ستحرق منا الأخضر بعد أن أحرقت اليابس.‏

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).‏

صدق الله العظيم

مقالات متعلقة